مدينة القصير :ضحايا بلا قبور وقبور بلا أسماء

مقبرة الأرقام في قرية البويضة المخاذية للقصير

أفكر أحياناً بحجم الهمجية التي من الممكن لعقل بشري أن يدركها، أو لقلم ولسان أن يمتلكا القدرة على تصويرها. ربما، لا يتعلق الأمر بفعل القتل نفسه بل هي كيفية القتل، حيث يعجز اللسان عن النطق بما رأته العين. أنصاف رؤوس، أنصاف أجساد، وقناص يطلق الرصاص على كل محاولة يائسة لسحب الجثث التي بدأت بالتحلل في منتصف المسافة بين حاجز النظام، وحاجز الجيش الحر. كان ذلك في مدينة القصير – حمص، المدينة التي ما إن أعاد النظام وحزب الله السيطرة عليها في حزيران من ٢٠١٣، حتى بدأت باقي المناطق التي كان يطلق عليها وصف “المحررة” بالتساقط واحدة تلو الأخرى، وبدأت داعش بالانتشار في أماكن أخرى.

خرجت من سوريا في نهاية العام ٢٠١١، وكانت آخر زيارة لي بعيد مقتل ماري كولفن في حمص، حيث عبرت الحدود اللبنانية السورية من عرسال باتجاه قرية جوسية ومنها إلى مدينة القصير في ريف حمص.

لم يكن عبور الحدود أمراً يسيراً، إذ كان علينا (أنا والصحفي الأمريكي الذي كنت أرافقه) أن نجد مهرباً يجيد الطريق. في طريقنا إلى عرسال، توقفنا عند قرية القاع اللبنانية الحدودية، حيث يقبع فيها دير كان قد استقبل عشرات اللاجئين السوريين من القرى الحدودية المجاورة. أجرينا مجموعة من المقابلات فيها، وفي الحقيقة قدمت لنا هذه المقابلات تصوراً معيناً عما قد نراه ونواجهه في مدينة القصير، وخاصة فيما يخص الصراع الطائفي الذي اشتعل بين كتيبة الفاروق وعائلة حنا المؤيدة للنظام وهي عائلة مسيحية كبيرة نسبياً في المدينة.

في هذا الوقت أيضاً، خرجت قوات الجيش الحر من حمص وتوجهت إلى مدينة القصير، وبقي في الخالدية بعض المقاتلين معهم الملازم عبد الرزاق طلاس.

مرت عملية التهريب بثلاث مراحل، حيث بقينا في عرسال حتى هبط الليل، قادتنا سيارة باتجاه نقطة أقرب إلى الحدود، كان علينا بعدها أن نسير مسافة لا أتذكرها، ولكنني أتذكر تماماً ما قاله لنا المهرب، سأقتبسه باللهجة العامية: “رح نمشي ورا بعض خط واحد، لا يمين ولا يسار، لا تطالعوا ولا صوت، بس وقف بتوقفوا، بس امشي بتمشوا” ثم وقف لدقيقة أو أقل وتابع قائلاً: “على يسارنا في حاجز للنظام بعيد شي ١٥٠ متر، نحنا دافعين للرائد رئيس الحاجز، بس هدول ما إلهن أمان، لذلك امشوا بسرعة، وإذا صار ضرب اركضوا عشوائي بهداك الاتجاه، إذا تصاوبت دبروا راسكن، إذا حدا تصاوب لا حدا يوقف”

قطعنا مسافة ما، ثم أخبرنا الخبير المهرب بأننا في أمان نسبي، وأنه علينا الآن أن نستقل الموتور، أنا وصاحبي الأمريكي وحقيبة ظهره الضخمة بكل ما فيها من معدات وكاميرات. قادنا الموتور إلى مكان قريب من قرية صغيرة اسمها جوسية، حيث استقلينا سيارة أوصلتنا إلى منزل يقيم فيه مجموعة من الصحفيين.  في صباح اليوم التالي، قمنا بجولة في القرية، ثم استقلينا سيارة أخرى باتجاه مدينة القصير.

كانت المدينة الصغيرة نسبياً مكتظة بالمقاتلين الذين غادروا حمص، وأيضاً بالنازحين، فيها بناء من طبقة واحدة يقيم فيه الصحفيون وأعضاء التنسيقيات النازحون هم أيضاً. لحظة وصولنا إلى ذلك البناء تعرفت إلى الراحل محمود دعبول الملقب بالديك، وكان حينها مراسلاً لقناة الجزيرة ومديراً لمكتب صحفي لا أذكره، لربما كان تابعاً لكتائب الفاروق، أو لربما لتنسيقية ما، وهو ينحدر أصلاً من حي بابا عمرو في حمص.

الصحفي محمود دعبول الذي كان ملقباً بالديك

في صباح اليوم التالي، تواجدت مجموعة تعمل لحساب قناة تلفزيونية أجنبية. وكان الصحفيون الأجانب أو معظمهم، فد اتفقوا على ألا يتم أي بث مباشر من أي مكان داخل سوريا يتواجد فيه صحفيون أجانب، فمثل هذا البث المباشر يجذب صواريخ وطائرات النظام، وكانوا يعتقدون آنذاك – وهم محقون برأيي- بأن مقتل ماري كولفن كان بسبب إشارة الانترنت التي دلت على موقعها بينما كانت تتحدث إلى أندرسن كوبر مقدم البرامج في شبكة سي إن إن الأمريكية.

وعدنا الصحفي الأجنبي الأشقر بأن لا يبث ما سجله حتى خروجنا من القصير بعد ثلاثة أيام، ولكنه لم يلتزم بذلك، ورغم أن لجنة المراقبين العرب كانت تقوم بمهمتها التي استوجبت وقفاً لإطلاق النار، فقد تم خرق الهدنة، وأي خرق، لقد بثت القناة الأجنبية التسجيل، عرف النظام بوجود صحفيين أجانب، وبدأ هجومه على القصير.

على مدار ٢٤ ساعة، تعرضت المدينة لكل أنواع القصف وأشكال الصواريخ، تم قصفها بالمدفعية، الهاون، وصواريخ الأرض أرض.

في هذه اللحظات، وخاصة عندما لا يوجد بناء بقبو أو بأكثر من طبقة واحدة، يصبح الشعور بعدم جدوى البقاء في نفس المكان مضاعفاً. لذلك، قررت أنه من الأفضل أن نتوجه نحو المشفى الميداني وأن نرى ما يجري في الخارج.

خرجنا برفقة النقيب المنشق “أبو عمر محمد إدريس” استشهد لاحقاً في معاركه مع النظام، انطلق بسيارته نحو المشفى الميداني حيث أصابت قذيفة هاون حائط السور الذي يحيط بالمشفى لحظة وصولنا، تراجع أبو عمر بسيارته مسافة عشرة أمتار تقريباً، وأصبح محاذياً لرجل مسن يجلس القرفصاء على باب منزله يدخن سيجارته بين دخان القذائف وأصوات رصاص الشيلكا، وكان يبعد عنا ما يقارب العشرين متراً عندما حطت على سقف منزله قذيفة هاون أخرى، لا أعلم كيف قفز من مكانه ونجا من شظاياها، لكنني أذكر تماماً ذلك المشهد، ربما لا توجد كلمات لوصفه، ربما هي ما يقال عنها حلاوة الروح.

النقيب الراحل محمد إدريس “أبو عمر”

المشفى الميداني كان مليئاً بالأجساد الملقاة على الأرض. ما أذكره من ذلك المشفى أنه صغير جداً، هو عبارة عن منزل كبير، ولكنه لا يرقى بحجمه أن يلقب بالمشفى، ربما التوصيف الأدق هو عيادة كبيرة، كان الدكتور الوحيد في ذلك اليوم هو ذبك الطبيب الذي ذاع صيته كثيراً، اسمه “قاسم الزين”. أعتقد أننا يجب ألا ننسى هذا الاسم. يستحق هذا الطبيب أن نصنع له تمثالاً باسم “الطبيب المجهول”.

الدكتور قاسم الزين في المشفى الميداني في القصير

بعد قليل رن هاتف النقيب أبو عمر، لم أسمعه يقل أي كلمة، كان يستمع فقط. قال لنا أن حزب الله والنظام قد أحاطوا بالقصير وأنهم عازمون على الاقتحام وعلينا أن نرافقه أنا والصحفي الأمريكي.

اصطحبنا إلى بناء اجتمع فيه العديد من المقاتلين الذين يتجهزون للانطلاق إلى الجبهات مصطحبين الآر بي جي، أعتقد أنها كانت أكثر سلاح متطور بحوزتهم. 

التحضيرات للمعركة ١٨- نيسان ٢٠١٢

كان هناك مكان واحد لنحتمي به، هو المكتب الإعلامي ذو الطابق الأرضي الوحيد، والذي بدأ زجاج نوافذه بالتساقط تدريجياً، وبدأ البناء ذاته بالاهتزاز نتيجة القصف العنيف، خرج الصحفي الأمريكي إلى سطح المبنى، كان يمتلك جهازاً فضائياً، أرسل رسالة إلى السفارة الأمريكية في بيروت قائلاً: “أنا عالق في مدينة القصير وربما لن ننج من هذه الليلة، أنا هنا بصحبة مترجمي نضال بيطاري”

حقيقة، نمت بعمق شديد في تلك الليلة، إذ لم يكن هناك من مفر سوى النوم، وخمنت أنه من الأفضل للقذيفة التي ستقتلني ليلتها أن تقتلني وأنا نائم، فقد خمنت أيضاً أن الموت قصفاً قد لا يخيف، ولا يؤلم النائمين. جل ما كنت أخشاه هو دخول النظام وحزب الله، وكيفية قتلي، أهي بقطع الرأس؟ أم ببقر البطون؟ أم بطريقة قد لا تخطر على بال بشر؟ هذا ما كنت أخشاه، كيفية قتلي، وليس القتل نفسه. للمصادفة السعيدة، استيقظت حياً في صباح اليوم التالي.

توقفت المدافع والبنادق، بدأ أهل القصير ونازحوها بتحضير جنائز الشهداء. أكره الجنازات، وأكره أكثر جنازة الشهيد، يكسر قلبي أن أرى دموع أمه وانكسار أبيه، لا يساعدني أبداً أني نشأت في مخيم اليرموك الذي شهدت فيه عشرات الجنازات لعشرات الشهداء، وكتب لنا أن نجاور أم شهيد، وأخت شهيد، وأب شهيد لسنين عديدة قادمة.

في القصير، لم يعد هناك متسع في المقابر، فحفر الأهالي والنازحون المقابر الجماعية، وضعوا أسماء من يعرفونهم على الشواهد، ووضعوا أرقاماً لمن لا يعرفون أسماؤهم. أي قدر هذا الذي عاشه السوريون، ضحايا بلا قبور وقبور بلا أسماء.  

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s