معركة ذات البواري والمعطف الذي أوهن نفسية الأمة

كان هناك أربع خيارات لطلاب مخيم اليرموك بعد إنهاء المرحلة الإعدادية، وهي البقاء في حدود مخيم اليرموك والانتقال إلى ثانوية اليرموك للبنين. وهذا يعني للبعض أن التعليم متدن، وأن الطالب سوف يجلب مع حقيبته المدرسية “كيس النايلون”. كيس النايلون هو عبارة عن كيس شفاف يتم ملؤه في خمارة سمير أو كما اعتدنا على تسميته في المخيم “الدكتور سمير” يتم ملؤه بالجن المصحوب بـ “شلمونة”.

أما الخيار الثاني، فكان الذهاب الى ثانوية الكواكبي في حي الميدان. الخياران الثالث والرابع كانا ثانوية ابن خلدون أو ثانوية جودت الهاشمي. أما أنا فقد اختار لي أبي ثانوية جودت الهاشمي، فمن المستحيل أن يوجد فيها كيس نايلون.

الطريق إلى جودت الهاشمي ومنها إلى المخيم هو أول احتكاك رسمي لي مع ما هو خارج مخيم اليرموك. لا أعني أننا لم نكن نعرف دمشق، ولكن للاحتكاك اليومي جيئة وذهاباً -ما بين دمشق وجودت الهاشمي والطريق بينهما- لهذا الاحتكاك آثار أكبر على تنمية المعرفة بدمشق وأهلها، ومعرفة انطباعاتهم عن مخيم اليرموك وأهله، وهو مجال آخر سنبحث به في مقالات أخرى.

في العام السابق على دخولي مدرسة جودت الهاشمي، حصل إشكال بين أحد الطلاب أبناء مخيم اليرموك وابن أحد المسؤولين، وحصل أن كان ابن المخيم قوياً بما فيه الكفاية ليطرح ابن المسؤول أرضاً. خرج ابن المخيم ليجد مرافقة ابن المسؤول بانتظاره، فاجتمع طلاب ابن خلدون من أبناء مخيم اليرموك وأعانوا صديقهم. في ذلك العام، كانت ثانويتا ابن خلدون وجودت الهاشمي قد أعلنتا تجديد أجهزة التدفئة (الشوفاج) وكانت أنابيب التوصيل مطروحة أرضاً، فما كان من الطلاب إلا أن حملوا هذه الأنابيب في مواجهة المرافقة المسلحة، وعانقت الأنابيب السماء، وانتصر طلاب المخيم فيما أصبح متعارفًا عليه اصطلاحا بمعركة “ذات البواري” تيمناً بذات الصواري.

في الأيام الأولى لي في مدرسة جودت الهاشمي، قمت وأصدقائي باستكشاف المكان. الطريق من كراج السرفيس قبالة مركز مياه الفيجة، مروراً بمحطة الحجاز، عبوراً بملهى الكروان وما على واجهته الزجاجية من صور نساء أجنبيات يرتدين السراويل، قاطعين طريقنا مجتازين -عمداً لا لبس فيه- سينمات الأهرام، الكندي والفردوس، متأملين صور ملكة أفلام الإغراء “إغراء” وعمن يعرض فيلم “الفهد” الذي مثلته وتعرت فيه تماماً مع أديب قدورة. حيث كان أحد العاملين في السينما يقف على الباب صارخًا “هلأ بلش، هلأ بلش، مناظر مناظر” وهو إذ يهدف إلى اصطياد زبائن مثلنا من سذج وممحوني المرحلة الثانوية.

في بعض الأحيان، كنا نتقصد العبور من ساحة المرجة، ذهاباً او إياباً، لنشق طريقنا عبر المنادين “استراحة، استراحة” وهي كلمة السر لعامل الفنادق التي يعلن بها بدء موسم الحج إلى المرجة بهدف ممارسة الجنس مع عاهرة قانونية يتم فحصها والتأكد من خلوها من مرض الايدز مرة كل ستة أشهر. مدرسة دار السلام للإناث هي المحفز الوحيد للتأنق والعناية ببدلة الفتوة والحفاظ عليها من أية تمزقات قد تصيبها خلال لعبة كرة القدم بعد المدرسة مرة او مرتين في الأسبوع.

بكل الأحوال، يبدو أن خناقة فلسطيني ما مع ابن مسؤول ما قد أصبحت تقليداً سنوياً، كان علينا الجيل الجديد أن نحافظ على الـ”legacy”   التي بناها أبناء المخيم طلاب ابن خلدون وجودت الهاشمي.

بينما كان صديقي في ابن خلدون متكئاً على حائط ما في الساحة، فاجأه أحدهم بالسؤال” ليش مغطي صورة السيد الرئيس يا حيوان؟”

يبدو ان صديقي لم ينتبه لصورة القائد المفدى على الحائط، فاتكأ على الصورة، ويبدو أيضاً أنه لم يسمع من كل حديث ذلك الطالب سوى كلمة “حيوان” فكان رد فعل صديقنا أن انقض على الشاب الآخر وأشبعه ضرباً. لسوء حظ ابن المخيم المسكين، أن الطالب المضروب كان ابن مسؤول كبير في جهاز مخابرات ما، أحاط مرافقوه بالمدرسة، فما كان لذلك المسكين إلا أن يقفز فوق الحائط هارباً من مدرسة ابن خلدون الى جودت الهاشمي حيث اختبأ حتى نهاية الدوام وعاد محاطاً بأصدقائه إلى المخيم، لسوء حظه ولربما لحسنه، لم يكن هناك أنابيب ملقاة على الأرض لبدء معركة ذات البواري ٢. بكل الأحوال تم فصله من كافة مدارس القطر.

ثانوية جودت الهاشمي

في يوم آخر وكما هي العادة، اجتمع الطلاب في الساحة صباحاً لتأدية تحية العلم، كان ذلك الصبي المسكين الأبيض والأجرد الوجه يرتدي معطفاً شتوياً خيط على كمه علم الولايات المتحدة الامريكية. كان نائب المدير إحسان أسبر يسير بين الطلاب المصطفين، بينما كنا نردد الشعارات المبجلة للقائد الأب، ونشتم جماعة الاخوان المسلمين العميلة بشعارات أخرى، في هذه الأثناء، عم الصمت الساحة عندما صاح نائب المدير بصوت أجش عال”عميل حقير” وصفع الطالب على خده صفعة ظلت أصابع نائب المدير تاركة علامها عليه لأيام، وأمسك بـ”كم” المعطف وانتزع علم أمريكا ممزقاً ذلك المعطف الجميل، متهمًا ذلك المسكين بالامبريالي، الراسمالي، الخائن لعلم بلده. حزنا نحن أصدقاؤه حزناً كبيراً على المعطف الذي كان محط إعجاب الكثيرين، بمن فيهم أبناء المسؤولين الذين حاولوا مراراً وتكراراً شراء ذلك المعطف، فرفض صاحبه فاتهموه بالعمالة وأخبروا نائب المدير بأن هناك من يرتدي معطفاً يوهن نفسيتهم ونفسية الأمة.

ملاحظة: هذه الأحداث وقعت ما بين عامي ١٩٩٤ و١٩٩٧

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s