نايف حواتمة وأسعد أبو خليل أسلمة اليسار و المؤامرة

عاد أبي من عمله، وكان الوقت ظهيرة، وكانت أجهزة الأمن والمخابرات في ذلك اليوم تصول وتجول في شوارع المخيم. كنا نشعر بهم عندما يصولون ويجولون حول منزلنا، فقد اعتادوا الاقتحام لاعتقال عمي الراحل أبو العبد عصام، إذ كان كما اعتاد جدي رحمه الله أن يقول عنه من “الحمر”، فهو من أعضاء الجبهة الشعبية أو من جماعة “جورج حبش” والطفل المدلل لدى أبو علي مصطفى. كان أبي قد أخبره بضرورة مغادرة المنزل، وعدم العودة حتى إشعار آخر.

أحضر أبي كيس “خيش” ودخل غرفة عمي، طلب مني ومن ابن عمي محمود أن نبدأ بملء الكيس بكل الكتب “الحمراء” ثم أخذها إلى البستان المجاور وحرقها.

امتدت عملية جمع الكتب “الحمراء” وحرقها منذ بدأ وعيي بالتشكل (يعني منتصف الثمانينات) وحتى العام ١٩٩٠ حيث بدأ العالم بعها بالتغير، فبدءاً من العام ١٩٩١ يعد هناك اتحاد سوفييتي، وأصبحت قراءة ماركس وإنجلز نوع من الترف الفكري، وبدأ المد الإسلامي بالظهور في المخيمات.

ومن مؤشرات الأسلمة التي ظهرت أن إشاعة ما انتشرت في أوساط الفلسطينيين مفادها أن الرفيق نايف حواتمة الأمين العام للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين يصوم رمضان، وأن فطوره عبارة عن سبع حبات من التمر و”زبدية لبن” أي “على السنة”، هذه الاشاعة أصبحت أقرب إلى الحقيقة، حين أعلن الرفيق حواتمة عن نظريته في العلاقة بين الله واليسار، وهي نظرية اختصرها بجملة مفيدة، صار يستخدمها في كل الاحتفالات، بما فيها (إن لم تخني الذاكرة) الاحتفال بانطلاقة حركة فتح في النادي العربي الفلسطيني في العام ٢٠١١ حيث ألقى كلمة منظمة التحرير الفلسطينية، وخطب بالجماهير لأكثر من ساعة – وهو بطبيعة الحال عاشق الخطابة –  حيا فيها دور اليسار في الربيع العربي وقال: ” من حكمة الله، أن خلق القلب على يسار الانسان، لأن اليسار هو قوة التغيير والدمقرطة”. هذه النظرية المقولة وضعها في كتابه: “اليسار العربي رؤيا النهوض الكبير” الذي صدر في العام ٢٠٠٩، وهو كتاب مليء بالأخطاء اللغوية القواعدية والكتابية لدرجة أنك تشعر بأنك تقرأ كتاباً من ترجمة “دار التقدم أو دار داروغا في موسكو” بكل الأحوال، انهال الجميع بالتصفيق والتصفير، والضحك أيضاً. لا أعلم إن كانت حركة الأسلمة هذه حديثة العهد في تلك الفترة الممتدة ما بين أوائل التسعينات وبدايات القرن الواحد والعشرين، وهو العام الذي ارتدت فيه أمي الحجاب وأصابتني بالإحباط، أو هو حالة امتدت منذ السبعينات كما ذكر وائل السواح في الجزء الثالث من عمله الملحمي حول شهادته عن اليسار في سوريا والمعنون ب “بينما كنا نعشق ونغني كانت أخواتنا يتحجبن”، أو لربما وهو ما أميل إليه أنها حركة دائمة مستمرة لم تتوقف.

لم تمتد مؤازرة الأمين العام السيد نايف حواتمة للربيع العربي أكثر من ذلك المهرجان، فقد صمت بعدها والتزم حدوده في حي الأزبكية في دمشق حيث يقبع المكتب الرئيسي للجبهة. بعد ذلك بدأت مواقف الحركات اليسارية في العالم العربي تتوافد، وكان أبرزها موقف الراحل شكري بلعيد الذي تحدث عن هول المؤامرة التي يحيكها الاستعمار ضد سوريا ومحور المقاومة.

أنا أفهم أسلمة اليسار عند نايف حواتمة بسبب إفلاس الخزينة، وإغداق إيران المال على كل من الجهاد الإسلامي وحماس، ولاحقاً القيادة العامة، ومن ثم ماهر الطاهر ممثلاً الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين. إذ اشترت إيران كافة حركات المقاومة الإسلامية واليسارية وبقي حواتمة وحيداً، فما كان منه إلا أن حاول جاهداً الانضمام إلى المعسكر الاشتراكي الإيراني دون جدوى، وخاصة بعد ظهور الإسلام اليساري أو اليسار الإسلامي الذي مزج بامتياز ما بين الشيعية والشيوعية لتنتج عنها حركة تشيع في مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في سوريا.

قبل ذلك بكثير، وتحديداً في العام ١٩٧٨، كان إدوارد سعيد قد كتب كتاباً أسماه “الاستشراق” وصفه الباحث ،الصحفي عبد الله أمين الحلاق بقوله: ” ….ثم جاء بعده الكتاب الأشهر لإدوارد سعيد “الاستشراق”، بألف التعريف ولامه. وهو كتاب نسب فيه سعيد إلى نفسه، تبعاً لأداة التعريف تلك وتبعاً لمضمون الكتاب، الإحاطة بهذا البحر الواسع والعريض والمتعدد الاتجاهات والرؤى والخلفيات السياسية وغير السياسية، والمرجعيات “الأخلاقية” إن جاز التعبير”. قرأ أسعد أبو خليل هذا الكتاب، وجل ما فهمه منه أن الغرب يعيش حالة عداء دائم مع الشرق، وأن حالة العداء تدفع الغرب إلى التآمر المستمر على المشرق العربي، وأن مواجهة هذه المؤامرة تستوجب المقاومة، وأن هذه المقاومة اشتد عودها عندما أصبح لها محور يمتد من طهران إلى بيروت مروراً بالمدن السورية كلها، هذه المقاومة التي حررت الجنوب والتي لم يكن ل”جمول” أي دور فيها، فاستبدل أبو خليل اليسار بالمقاومة، وأصبغ عليها صبغة “حركات التحرر الوطني العالمية”، والتي يقوم جزء منها على شعار “تحرير فلسطين” فخطف قلب اليسار الأمريكي والجاليات العربية ذات الميول اليسارية في أمريكا، هذه الجاليات التي ناصرت كل ثورات الربيع العربي من تونس إلى البحرين، وتوقفت في معظمها عند سوريا لتتحدث عن نظرية المؤامرة التي تستهدف المقاومة وسلاحها ومحورها.

ومن حظ أسعد أبو خليل و”جماعته” أن هناك صحيفة وحيدة في العالم العربي وربما في العالم، أفردت للفلسطينيين عموماً وللاجئين منهم خصوصاً صفحة باسم “مخيمات” وفتحت لأبو خليل الأبواب ليكتب في مكان واحد نادر الوجود يجمع المقاومة، اليسار، الإسلاموية، فلسطين، والفلسطينيين في صحيفة واحدة، هي صحيفة الأخبار.

ولكن هذه الجريدة/ الصحيفة قد خسرت إلى الأبد مخيم اليرموك الذي شكل رافداً لصفحة “المخيمات” في الأخبار، بعد أن قررت المقاومة تحرير مخيم اليرموك وتطهيره من ساكنيه اللاجئين بمؤازرة فصائل المقاومة الفلسطينية ودول محور المقاومة، بمساندة سلاح الجو الروسي الذي يعتقد أبو خليل أنه لا يزال يحمل اسم الاتحاد السوفييتي.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s