سمير قصير، ضحى حسن، حافظ الأسد والمخيم

محمود عزام عمي لوالدي قبل ترفيعه لرتبة لواء

أحياناً ومن باب استنهاض الماضي، أستيقظ باكراً جداً، الرابعة أو الخامسة فجراً، أي كما يقول المثل السوري الأصيل “قبل الشحادة وبنتها”، وأبدأ بفتح دفاتر قديمة، وأحياناً أتعثر بمقالات كنت أقصد تجاهلها ومنها مقال ضحى حسن التاريخي “حين قالت لي معلمتي أن حافظ الأسد لا يموت”. من عادتي أن أعيد قراءة نصوص أكثر من مرة، ورغم أن هذا النص لا يزال الأقرب إلى قلبي، إلا أنني قرأته مرة واحدة عندما فازت ضحى بجائزة سمير قصير، فأفزعني وأغلقت عليه شغاف القلب منذ ٧ سنوات.

مرت بالأمس ذكرى استشهاد سمير قصير، الرجل الذي آواني أنا ومئات من الفارين من سوريا، لم تتسنَ لي الفرصة لأكتب عنه، فقد كنت مشغولاً مع ابنتي ريتا وزوجتي أروى ببهجة مقابلتنا مع الواشنطن بوست التي اشترينا للاحتفال بها زجاجة من نبيذ كاليفورنيا الفاخر. إلا أنني استيقظت فجراً مع ذكرى سمير قصير، ومقالة ضحى حسن، وبدأ التداعي الحر.

في يوم من الأيام وكنت حينها في الابتدائية، في الصف الرابع تحديداً أي في العام ١٩٨٨، وكان العام الدراسي قد بدأ للتو. كالعادة في مدارس وكالة الغوث للاجئين الفلسطينيين يبدأ المدرسون بالسؤال عن الأسماء والأهم من ذلك السؤال الجوهري “إبن مين إنت؟” من خلال هذا السؤال يقوم المدرس بإجراء تحليل ال دي إن إيه للطالب، فيعرف من أي قرية في فلسطين، من جده، من أعمامه، أخواله ومن أمه وأبوه، وكلما كانت العائلة أقرب إلى قلب المدرس كلما كانت العقوبة أشد، فقد كانت القاعدة السائدة حينها أن يقول الأب للمدرس: “اللحم إلك والعظم إلنا”.

الأستاذ: إيش إسمك ولا (بكسر الواو)؟

  • نضال بيطاري أستاذ
  • أيواااا، إنت ابن عبد العزيز يلي بالجيش مش هيك؟
  • آه أستاذ

صمت لثوانٍ ثم قال بصوت عالٍ متقصداً أن يسمعه كافة الطلاب وقال:

  • هذول (هؤلاء) يلي خبوا حافظ الأسد عندهم بالبيت

رغم مرور ٣٢ عاماً على الحادثة، إلا أنني لا أزال أذكر تفاصيل نظراته الغاضبة التي لم أفهمها حينها، ولا زلت أذكر كيف أصبح الكون كله حولي أصم أبكم، كيف انتفض قلبي الذي أصبحت نبضاته كما يقول نزار قباني “كقرع الطبول الأفريقية”. كانت ردة فعلي طبيعية، رفعت يدي وقلت:

  • أستاذ، معلش أروح عالحمام؟

كان نهاراً طويلاً، ما إن انتهى حتى انطلقت بسرعة الضوء، كان المنزل قريباً جداً خمس دقائق من الركض كانت كافية لأصل المنزل. كنت أرتجف من الخوف. أبي مخيف بطبيعته، وكنت ابنه البكر، أي حقل تجاربه في التربية والتي كان أسها وأساسها الخوف من السلطة الأبوية (كما كنا نعتقد) ولكن خوفي منه لم يمنعني من أن أسأله بخوف وتوتر وصوت منخفض جداً خوفاً من الآذان التي في الحيطان:

  • بابا، نحنا خبينا حافظ الأسد عنا بالبيت؟
  • مين قلك؟
  • الأستاذ بالمدرسة
  • قدام الطلاب؟
  • بصوت عالي

لا أستطيع أن أفهم حتى هذه اللحظة لماذا صفعني أبي. أشفق علي أنا ذلك الطفل الذي لا ناقة له ولا جمل في ذلك اليوم. أستاذ يرهبني وأب يضربني لما ليس لي به ذنب، أي رعب هذا. هربت من أبي إلى جدي، وتعثرت بعمي الذين سألني عن سبب بكائي، فأجبته فصفعني هو بدوره، وصلت بشق الأنفس إلى جدي سألته باكياً، كانت القضية تستحق أن أغامر بصفعة أخرى:

  • جدي، إحنا خبينا حافظ الأسد عنا؟
  • عشان هيك ضربك أبوك؟
  • آه
  • أه جدي خبينا ونام عنا ليالي.

كنت أعلم أن لأبي عماً مهماً اسمه محمود عزام ما كنت أعرفه عنه أنه كان طياراً لطائرة ميغ ١٧ طارت فوق حيفا في عام ١٩٦٧ دمرت مصفاة نفط وعادت سالمة إلى مطار التي فور حيث كان قائداً لذلك المطار.

أخبرني جدي حينها أن عمي وحافظ الأسد تعرفا إلى بعضهما البعض في حزب البعث باكراً وكانا كلاهما طيارين في القوات الجوية، تمت ملاحقتهما في الخمسينات حيث اختبأ حافظ الأسد في منزل جدي قبل أن يقوم جدي بتهريبهما إلي لبنان ومن ثم إلى مصر.  أرسلا سوية إلى الاتحاد السوفييتي، ثم إلى مصر في زمن الوحدة حيث خدما في سرب واحد تحت قيادة حسني مبارك، اعتقلا في مصر سوية، عادا إلى دمشق سوية. وفي ليلة الثامن آذار ١٩٦٣ اجتمع في منزل جد والدي في مخيم اليرموك شارع عين غزال الجادة الرابعة وهو منزل كان مستأجراً من آل الخطيب الذين ينحدرون من حوران، اجتمع في ذلك المنزل حافظ الأسد مع مجموعة من الضباط حيث تمت إدارة انقلاب ثورة الثامن من آذار.

أخبرني جدي، أنه في يوم من أيام عام ١٩٨٢ خرجت مظاهرات في مخيم اليرموك تهتف “أسد أسد في لبنان فأر فأر في الجولان” وأن حافظ الأسد أمر الدبابات بالتوجه إلى المخيم وقصفه، في ذلك اليوم ذهب عمي محمود للقاء حافظ الأسد والتوسط لديه لوقف الهجوم، وأن حافظ الأسد – الذي كان يلقب عمي محمود بـ “أبو فراس” قال: “والله يا أبو فراس لو كانت القرداحة طالعة عم تهتف هيك لقصفتها”

أقنع عمي حافظ الأسد بإيقاف الدبابات المتوجهة إلى مخيم اليرموك عام ١٩٨٢، وقد خسر رفعت الأسد دبابتين على ما أعتقد، إلا أن قوى الأمن اجتاحت المخيم واعتقلت مئات الشبان من حركة فتح ورابطة العمل الشيوعي، وكان من بين المعتقلين شقيق أستاذي في الابتدائية، الذي أرهبني في اليوم الدراسي الأول، وتسبب لي بصفعة من والدي على الخد الأيمن، وصفعة من عمي على الخد الأيسر.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s