الديكتاتور وأصحاب الياقات السوداء

صورة لجورج فلويد رسمت على أنقاض منزل في إدلب

لا شيء جميل في الحرب، ولا شيء جميل في الركض خلف أو أمام قوات حفظ النظام، هذه القوات لها مهمة واحدة في سوريا، مصر، أمريكا وما بينهم، مهمتها الوقوف في وجه المحتجين. لا أود المقارنة ما بين أمريكا وسوريا ودول الربيع العربي من هذه الزاوية، ففيها إجحاف بحق مواطني دول الوطن العربي وتحديداً في سوريا حيث استخدمت قوى النظام السلاح الكيماوي ضد مواطنين عزل إذ أن الوقوف في وجه المتظاهرين يهدف إلى الحفاظ على الرؤساء في السلطة ولو كلف ذلك حرق بلد بأكمله أعني سوريا بالتأكيد.

هناك شعرة تفصل ما بين مؤسسات الدولة والمواطن، هذه الشعرة تنقطع تماماً عندما يحاول الحاكم تجيير هذه المؤسسات لتنفيذ أجندته الخاصة بدلاً من تنفيذ السياسات الحكومية، وهذا ما يحاول أن يفعله ترمب، الذي غرد بعد قرار مجلس الشيوخ بتبرأته من قرار العزل، غرد ترمب “إلى الأبد” وهو ما لم يفعله رئيس أمريكي من قبل.

بكلمات أخرى، “لا أستطيع أن أتنفس” هو شعار تم إطلاقه بعد مقتل إيرك غارنر في العام ٢٠١٤ على يد شرطة نيويورك، و “الأيدي مرفوعة لا تطلق النار” (في دلالة على السلمية وخلو الأيدي من السلاح) هو شعار المظاهرات التي أشعلت فيرغسون أيضاً في العام ٢٠١٤ بعد شهر واحد فقط من حادثة غارنر.

لم تتطور تلك الأحداث لما يحصل اليوم في أميركا، إذ أن القيادات المحلية والقيادات السياسية في أميركا لعبت دوراً محورياً في تهدئة الشارع، للمفارقة لم يكن أوباما الرئيس الأمريكي حينها أحد هذه القيادات إذ كانت حجته دائماً: “أنا رئيس كل أمريكا، ليس السود فقط”

أما اليوم فإن الأمور مختلفة، إذ قسم ترمب البلاد إلى نصفين الأول “معه” والثاني “ضده” وصرح في أكثر من مكان بأن الأقوياء في الشارع يقفون معه، وشرح بأنه يعني بالأقوياء “راكبي الدراجات النارية” و “جهاز الشرطة”. وجعل هذا الانقسام يتفاقم ويتصاعد بينه وبين مؤسسات الحكومة الفيدرالية إلى “الصراع على الصلاحيات” وفي سبيل ذلك طرد وأقال العديد من الوزراء والمستشارين، وأفرغ المؤسسات من المناصب الحكومية ذات التعيينات السياسية (ويبلغ عددها ٥٠٠٠ وظيفة تقريباً) ليخفف من سلطة متخذي القرارات، ويسيطر على آليات اتخاذ القرار عن طريق اضعاف المؤسسات.

بالنسبة لترمب، يحتل تحسين الوضع الاقتصادي واحداً من أهم أولوياته، إذ عزز ترمب هذا الصراع خلال أزمة كورونا من خلال تأكيده على قدرته على إجبار المحافظين في الولايات على انهاء سياسة الحجر أو البقاء في المنزل واستخدام صلاحياته الرئاسية في سبيل ذلك. هدفه هو فتح الاقتصاد لعودة الطبقة العاملة والوسطى إلى العمل بعد فشل خطة الانعاش الاقتصادي والتي كشفت بعض جوانب فساد هذه الإدارة. بتأجيج هذا الصراع مع محافظي ولايات عديدة قسم ترمب المقسوم أصلاً، إلى أن وصل الصراع إلى صراع ما بين محافظي الولايات الديمقراطيين ومحافظي الولايات الجمهوريين.

في هذه الأثناء وفي هذه السياقات وقعت حادثة مقتل جورج فلويد، ومرة أخرى يقوم ترمب بمحاولة تأكيد قوة سلطته الرئاسية ويقدم على التهديد باتخاذ قرارات محاولاً تقسيم البلاد أكثر فأكثر، بما فيها نشر الجيش الأمريكي في شوارع الولايات الأمريكية.

ففي الوقت الذي تعم شوارع أميريكا مظاهرات غاضبة تتخللها بعض أعمال العنف، دعا ترمب مناصريه إلى النزول إلى الشارع،  وخرج وليم بار المدعي العام الأمريكي ليتهم اليسار الذي أسماه بال “راديكالي” ومنظمة أنتيفا اليسارية بالإرهاب، بينما تجاهل تماماً أن العنصرية الشوفينية البيضاء والنظام القضائي العنصري هما السبب وراء مقتل فلويد، وأن حركات المتطرفين البيض وأشهرها ال “ك ك ك” تقف وراء أعمال عنف أكدها محافظو بعض الولايات، مما عمق الأزمة بين ترمب وولايات مثل إيلينوي التي صرح محافظها على شاشة ال سي إن إن في لقاء مع الصحفية إيرين برنات ” ترمب عنصري ويجب أن يرحل”، وقبله صرحت كل من محافظتي جورجيا وواشنطن العاصمة تصريحات مشابهة، إذ قالت محافظة جورجيا “على ترمب أن يصمت، إنه يجعل الأمور أسوأ في كل مرة يتحدث بها”. في هذا الجو المشحون بين ترمب ومحافظي ومحافظات الولايات وخاصة من الديمقراطيين، أمر ترمب بنشر الحرس الوطني في شوارع العاصمة واشنطن، وضغط على محافظي الولايات بأن يتخذوا خطوات مشابهة، وهدد بأنه سيستخدم صلاحياته كرئيس لنشر الجيش الأمريكي في شوارع الولايات الثائرة.

في خطابه الثاني الاثنين في الأول من حزيران، خلق ترمب لحظة مفصلية ستظل عالقة في أذهان الأمريكيين وخاصة سكان واشنطن. أحضر ترمب مدرعات الحرس الوطني لتحيط بالبيت الأبيض، وكان المدعي العام وليم بار يقف في حديقة لافاييت المقابلة للبيت الأبيض ليشرف عليهم واضعاً يديه في جيبتي بنطاله، وقبيل بدء خطاب ترمب أمر الجنود بفض الاعتصام أمام البيت الأبيض، فألقى كلمته وهدد للمرة الألف باستخدام سلطاته لإنهاء عمليات السرقة والتخريب وحماية الشعب الأمريكي، بينما كانت المحطات الوطنية تنقل على نصف الشاشة الأيمن خطابه، وعلى نصف الشاشة الأيسر هجوم الجنود على المتظاهرين السلميين.

لا يود ترمب تهدئة الشارع الأمريكي، فهو خسر ورقة النمو الاقتصادي التي كان يتغنى بها في حملاته الانتخابية لدورة انتخابية ثانية حيث اعتاد القول: “ليس لديكم أي خيار سوى أن تنتخبوني حتى لو كنتم لا تحبونني، إن لم تقعلوا فسينهار الاقتصاد وستخسرون أعمالكم”. ما يقوم به ترمب اليوم، هو كل ما تعلمه من ديكتاتوريي العالم وكأنه يقرأ في دليل كان قد أرسله له السيسي أو الأسد، ما سيقايض عليه الآن هو “أنا أو الفوضى” وهو المعادل الموضوعي ل: “الأسد أو نحرق البلد”.

إلا أنه هناك اختلاف آخر وليس أخيراً بين السياق التاريخي لمقتل جورج فلويد، آمود آربيري، إيريك غارنر، ومايكل براون، والسياق التاريخي لما حصل في كاليفورنيا عام ١٩٩٢، وهو أن العالم كله اليوم أشبه بالعالم في عام ١٩٦٨، في ذلك العام كان الأمريكيون الأفارقة يخوضون حروبهم من أجل المساواة في مواجهة عنصرية النظام الأمريكي، وكانت ساحات باريس مليئة بالتظاهرات ضد العنصرية والفاشية والرأسمالية، وكان العالم العربي يتحرر من الاستعمار. اليوم الأمريكيون بقيادة الأمريكيين الأفارقة يخوضون صراعاً ضد العنصرية والديكتاتورية في الوقت الذي لا يزال العالم العربي من بغداد إلى الجزائر مروراً بدمشق وبيروت والقاهرة يخوض حروباً طاحنة ضد الديكتاتورية، فلا عجب أن ترسم إدلب صورة فلويد، ولا أن تتظاهر برلين ولندن في مواجهة الفاشية والعنصرية العالمية التي يقودها ترمب.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s