عملاء قصر بكنغهام٣ -أنا وكريستين



كان الثرفانتس لا يزال يحتل منزلاً جميلاً في حي المهاجرين (قبل نقله إلى حي أبو رمانة مقابل حديقة السبكي) حيث كنت أتعلم اللغة الاسبانية آملاً بمنحة دراسية أو فرصة للسفر لإتمام الدراسات العليا في إسبانيا. ولكن وللحق، كنت أعشق ذلك المكان بسبب كريستين أيضاً، وهي المعلمة التي كانت لا تخجل من التغزل بي أمام صف مليء بالفتيات، يالِ سعادتي بينما كانت تصف لهن لون شفتاي، كانت دائماً تدفعني لآتي إلى المعهد، حتى أنها كانت تتصل عندما أتغيب، ترجو أن أكون بخير، وتعرض عليّ المساعدة لتعويض ما فاتني من دروس.

وكنت حينها سعيداً أيضاً بالموبايل النوكيا ٣٣١٠، بعد سلسلة الإصلاحات التي أجراها رامي مخلوف إثر إكماله احتلال سيرياتيل تماماً بعيد غزو العراق، فجاء أخي نائل راكضاً يبشرني بأن “الموبايلات صارت أرخص” وأنني كعضو عامل في الطبقة المتوسطة سوف أستطيع أن أتباهى أمام البنات بالموبايل، فبدأت فعلاً بحمل الموبايل وباكيت الدخان ورميهم بطريقة فنية على طاولة في مقهى الروضة، أو مقصف اللغات، والأهم من ذلك على مقعدي في الثرفانتس حيث كريستين.

بينما كنت أنا وكريستين نستمتع بسيجارة ذات مساء دمشقي بارد، نطل برومنسية من شرفة المعهد على موقف ميكرويات المهاجرين المجاور للخارجية السورية، والتي يقال عنها أيضاً سرفيسات، رن النوكيا ومن باب “شوفة الحال” كان عليّ أن أرد.

كان ذلك السيد العقيد:

  • هو: وينك يا ابني؟
  • أنا: بدرس الاسباني والله
  • هو: خود ميكرو مزة جبل وتعال

قلت لكريستين وداعاً، فأجابت بأنها سوف تراني في مكتبة الأسد في اليوم التالي إن لم تمطر السماء، كانت كريستين تتشاءم من بركة المياه الضخمة التي تتركها الأمطار في ساحة الأمويين، وتسبب لها مشكلة عندما تحاول قطع الشارع من طلعة المالكي أمام بيت علي دوبا حيث تتجمهر سياراته وحرسه باتجاه المكتبة، لم تكن كريستين تحب مطر دمشق.

كان ذلك اليوم يوم ثلاثاء بتاريخ ما من شهر كانون الأول من عام ٢٠٠٥، دخلت شعبة الأمن السياسي في دمشق- فرع الأحزاب من الباب الخلفي المقيت، لم أستقل المصعد، استخدمت الدرج، ومشيت البهو المعتم باتجاه مكتب العقيد، فتح العسكري المجند الباب الذي يخرج منه الضوء، لم أر الضوء حتى صباح اليوم التالي، فقد كانت الثامنة والنصف ليلاً.

كان الوليد بن طلال على وشك الانتهاء من تغيير وجه دمشق إلى الأبد. إذ قضى فندق الفصول الأربعة على معرض دمشق الدولي، وغطى البناء الضخم حي أبو رمانة، وأصبح بإمكان الجالسين في الأعلى أن يستمتعوا برؤية المعهد العالي للفنون المسرحية وجسر السيد الرئيس، كان شكل ذلك المكان قد بدأ يتغير بسرعة، لكن رائحته لم تتغير أبداً، فقد كان رائحة البول -وأعتقد أنها ما زالت- هي الرائحة التي تميز ” جسر السيد الرئيس”. شاع آنذاك أن الوليد بن طلال قد اتفق مع رامي مخلوف على أن يتم تخصيص الطابق السابع من فندق الفصول الأربعة للمثليين في سوريا، وهم بكل الأحوال مثليو الطبقة المخملية في دمشق وربما في سوريا. ولسوء الحظ، شاعت هذه الأخبار في الوقت الذي كنا نتحدث فيه عن البحث في الجامعة، وكنت لا أزال تحت أعين القوى الأمنية كما تبين لي لاحقاً.

فندق الفصول الأربعة وجسر السيد الرئيس – دمشق

كان السيد العقيد يود التأكد من أنني لست مثلياً، لذلك بدأ يحدثني عن الشعر وولعه بالكتابة، وحذرني بأنني “قد أغرق في بحور شعره”، وحدثني عن جامعته حيث كان يحضر للماجستير في القانون في بيروت، وعن متعة وحرية الوجود في تلك المدينة الساحرة، قلت له بشكل مباشر: “والله يا سيادة العقيد أنا مش مثلي، عندي صاحبات كتير”

بدأ يسألني عن أشخاص ألتقي بهم، وهم من المثليين، وبدأ يعدد الأماكن والأيام والمواعيد التي التقيتهم بها، لكنه أيضاً يعلم أكثر ما تعلمه أمي عني. كنت أعتقد أنها الوحيدة التي كانت قادرة على أن تشم رائحة “النساء الأجنبيات” في ثيابي، في الحقيقة لا، فرجال الأمن أيضاً يشمونها.

كان لي مجموعة من الأصدقاء في الجامعة من المثليين، كان منهم من هو منفتح تماماً، وكان من بينهم أيضاً شاب متدين، حاول كل ما باستطاعته كي “يشفى” من “مرض الشذوذ”، وحاول الانتحار أكثر من مرة. ولفت نظري في نفس الوقت وجود نوع من الحراك الذي بدأته مجموعة من المثليين في محاولة لكسر بعض القيود التي يفرضها المجتمع عليهم وهي مهمة صعبة في دمشق.

من بين هؤلاء الأصدقاء تعرفت إلى شاب بريطاني من أصل سوري/فلسطيني، كان ذلك الشاب يحمل بعض أفكار حقوق الإنسان، وكان متحمساً لمساعدة أصدقائه من المثليين، لولا أن الأمن السياسي قد صنفه على أنه عميل من “عملاء قصر بكنغهام” وأن الحكومة البريطانية تقوم بتمويله كي “يفضح” أسرار الدولة، والتي كان منها أن القاضي، الوزير، الضابط، أو ابن أحدهم مثلي، وأن الخروج إلى العلن يعني تشويه صورة النظام أمام الشعب المحافظ من ناحية، والقضاء على مستقبل بعض السياسيين ورجال الأعمال من ناحية أخرى، وأنا متهم بالتعاون مع “عملاء قصر بكنغهام” لتتفيذ هذا المخطط المؤامرة.

جلس السيد العقيد:

  • شو إسمك؟
  • نضال بيطاري

كتب على قصاصة ورق أمامه: نضال عزام، وهي كنية عم والدي اللواء محمود عزام الذي قاد في فترة السبعينات مطار التي فور العسكري ولفترة وجيزة القوى الجوية. قلت للعقيد:

  • بس اسمي بيطاري، مش عزام
  • قال: احمد ربك إنه عمك إله قيمة بالبلد حتى وهو بقبره، ولو ما كان اسمه قدام اسمك كان راسك طار مشان تعمل بحث عن “طياز” العالم، أنا قلتلك واحد عم يأجر طيزو إنت شو دحشك فيه؟ إنت ما رديت علي، بدك تتحمل.
  • أنا: والله يا سيدي الموضوع أبسط من هيك بكتير، عنا مادة اسمها “التغير الاجتماعي” ولفت نظري أن جارات صديقي في حي المهاجرين يحبونه، ويحترمونه، ويقدرونه وهو مثليّ، كنت أود أن أعلم متى تغيرت دمشق وكيف، فاقترحت عليه أن يساعدني بالبحث، فعرفني على كل هؤلاء لأجري معهم مجموعة من المقابلات.

عام كامل من التحقيق إلى أن ثبت عدم معرفتي بخفايا الطبقة المخملية المثلية في سوريا. عام كامل من التحقيق اليومي، أو التواجد من العاشرة صباحاً وحتى الحادية عشر ليلاً وحيداً في غرفة التحقيق دون محقق. عام كامل، اتصلت به كريستين عشرات المرات بأمي لتخبرها بأنني يجب أن أنهي الصف الثاني لأحصل على الفيزا التي باعت أمي في سبيلها واحدة من “اسوارتين” وحيدتين امتلكتهما لدفع تكاليف محاولة الدراسة في الخارج.

تركت جواز سفري في السفارة الاسبانية عاماً كاملاً، ولربما أكثر، وحين عدت لأسترده بعد أعوام قالت الموظفة:

  • لقد كان لك لدينا فيزا، لماذا لم تأت لأخذها؟
  • أنا: الظروف والله.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s