عملاء قصر بكنغهام٢ رياض سيف وسميرة

بينما كان السيد العقيد يتهمني بالتجسس والعمل لصالح السي آي إيه، دخل مجند يحمل ملفات كثيرة في مصنفات سوداء وضعها على الطاولة المجاورة لـ”المعلم”. المصنف الأول كُتب عليه: ” مساجد دمشق”، ملف آخر كتب عليه: ملف “كنائس دمشق”، انفرد يوم الجمعة بملف خاص به مكتوب عليه” خطب الجمعة”

كان السيد العقيد يفتح الملفات واحداً تلو الآخر يوقع بعض الأوراق ثم يغلقها ويعيدها إلى الطاولة. بعد ما يقارب الساعة من الزمن، طلب مني الضابط أن أغادر، وأنه سيتواصل معي بشأن الموافقة الأمنية.

كان من المقرر أن نذهب في زيارة ميدانية إلى سجن عدرا المركزي، وهي زيارة كانت قد رتبت لها الأستاذة المشرفة وأحضرت الموافقات المطلوبة.

لا أدري لم ذاكرتي ضبابية حيال بوابة السجن والدخول إليه، ولكن هناك أشياء في هذه الزيارة لا تزال تراودني في أحلامي بين الحين والآخر.

في بهو ما في ذلك السجن، وقفنا جميعاً بانتظار شرطي ليصحبنا إلى القاعة التي سوف نجري فيها المقابلات مع مجموعة من “الشواذ”، كان رياض سيف قد تم إخراجه “للتنفس” وكان يجري نصف عارٍ في ساحة من ساحات السجن، وكان باستطاعتنا أن نراه من خلال شبك حديدي كان قد تم تثبيته في الجهة الخارجية للنوافذ المطلة على الساحة، أتذكره يركض لاهثاً يتصبب عرقاً. كان رياض سيف حينها رمزاً لنا نحن الشباب الجامعي “المعارض” إن صح التعبير.

في هذه اللحظات قاطع الانتظار الطويل المقيت صوت يصيح: “ولك نضال كيفك؟ شو عم تعمل هون؟”، التفت لأجد أحد أصدقاء المدرسة، كان يدرس الهندسة الكهربائية في جامعة دمشق، وتم تعيينه مسؤولاً عن كهرباء السجن. أخبرته عن البحث، فأخبرني مبتسماً بأن هذه الزيارة ستكون الأخيرة، وأنه سوف يؤمن لنا واسطة داخل السجن كي لا ننتظر كثيراً، بالفعل، استطاع أن يستعجل الأمور.

تم وضعنا في قاعة مستطيلة، يتدلى من سقفها الضوء الأبيض “النيون” المعلق بواسطة سلاسل حديدية. كانت القاعة شاحبة وداكنة يميل لون جدرانها إلى الرمادي، لا أذكر أبداً -وأعتقد بأنني مصيب- وجود أي نوافذ في ذلك المكان. توجد مجموعة من الطاولات في تلك القاعة، أظن أنها كانت خشبية، تشبه الطاولات التي تنتشر في الحدائق العامة، وعلى جانبيها كرسيين طويلين (بنش)

جلست مع زميلتي في جانب، بينما جلس في الجهة المقابلة شابان كان شرطي قد أحضرهما لنجري معهما مقابلة “علمية”.

دار الحوار التالي:

أنا (بعد المقدمة): مرحبا، شو إسمَك؟ (بفتح الميم)

الشاب: شو إسمِك إذا بتريد (بكسر الميم)، سميرة

أنا: عفواً، حاضر، وين ساكن بالأصل؟

هي: مخيم سبينة

أنا: فلسطينية؟

هي: نعم

أنا (متعرقاً بوجه أحمر) : أبوك شو بيشتغل؟

هي: بابا استشهد بلبنان بحرب المخيمات

أنا (التعرق يزداد): الله يرحمه، هل تعرضت لأي اعتداء جنسي من قبل؟

هي: نعم، كتير.

أنا: متى، كيف، من؟

هي: أول واحد اعتدى علي كان إبن أخوي يلي بالقيادة العامة (تقصد الجبهة الشعبية – القيادة العامة)

أنا: خلص بيكفي لو سمحت

في تلك اللحظة، شعرت بأن “فلسطينيتي” قد خدشت، وأن الشهداء ودماءهم قد تمت “خيانتها” وأن القضية الفلسطينية برمتها قد انهارت بسبب سميرة. كيف لفلسطيني ابن مخيم ابن شهيد أن يكون “شاذاً”، ويمارس البغاء أيضاً؟ لقد تم توقيف سميرة على “طريق المطار” حيث كانت تمارس الجنس مع “زبون سعودي” عندما “أجت الكبسة” كما وصَفتْها، فتم اعتقالها بتهمة “الدعارة” بينما لم يجرؤ أي من أفراد الدورية على المساس ب”الزبون السعودي”.

ما دفع سميرة إلى الدعارة هي الحاجة، ألقيت اللوم على منظمة التحرير، إنها السبب وراء “شذوذ” سميرة، شتمت أبو مازن والفصائل الفلسطينية قاطبة على مدار ثلاث سجائر لتخليهم عن الشعب الفلسطيني في المخيمات، هذا التخلي الذي بات يحوّل من كان من المفترض أن يكون فدائياً إلى “شاذ”. كنت حينها أبحث في هذا المونولوج الداخلي عن أي مُسَبب يجعلني قادراً على الانكار.

الطالبة الزميلة التي كانت شاهدة على هذه الحادثة كادت أن تبكي، شعَرتْ بالأسى، وشعرت أن لسميرة قضية. فقد أخبرتْها سميرة بأن مدير السجن قد قسم المثليين في السجن إلى قسمين، سميرة وزملاؤها في زنازين مشتركة مع محكومين آخرين بكل أشكال الإجرام والتهم بما فيها معارضة النظام، وفي هذه الزنازين تعرضت سميرة ومن كان معها للاغتصاب مرات عديدة. أما القسم الثاني فهو قسم “الجميلات” (أيضاً بحسب تعبير سميرة) حيث تم تخصيص زنزانة أو أكثر لمن كانت إدارة السجن -بما فيها مدير السجن نفسه- يرغبون بممارسة الجنس معهم أو معهن كما قالت سميرة. كانت سميرة تغبط الجميلات، ففي ذلك القسم/ الزنزانة لا اغتصاب بحسب معاييرها وتعريفها له.

في الحقيقة، لم تكن الزيارة علمية أبداً، إلا أنها تمت، كانت الزيارة الأخيرة على ما أعتقد، على الأقل كانت الأخيرة بالنسبة لي، إذ لم أعد مجدداً إلى ذلك المكان، فقد كانت رؤية كل من رياض سيف وسميرة في يوم واحد جرعة زائدة من القهر الذي لم أستطع أن أتحمل رؤيته أو سماعه مرة ثانية، ولم أشعر بأنني كنت مضطراً لذلك.

في اليوم التالي، اتصلت الأستاذة المشرفة وطلبت مني الاجتماع بها في الجامعة، حيث أخبرتني بأن البحث يجب أن يتوقف، وأن أصدقاءها في وزارة الداخلية قد تقدموا لها بنصيحة بعدم الخوض في هذا الموضوع لما فيه من إشكالات، ولكون هذا الموضوع يمس شخصيات سياسية وحزبية وعسكرية قد تودي بحياتها وحياة الفريق بأكمله إما إلى السجن، أو إلى الحياة الأخرى.

طلبت مني حينها أن أحتفظ بكتاب تسهيل البحث الذي كنت قد حصلت عليه من عميد الكلية، وأن أنسخه بعدد الأصدقاء الذين أثق بهم، وأن أطلب من كل واحد منهم أن يحتفظ بنسخة، فقد كانت تخشى أن يتم اعتقالي أو إخفائي أو قتلي.

لك عزيزي القارىء أن تتخيل الشعور الذي انتابني عند إخباري بأنني قد أعتقل، أقتل، أو أختفي عن وجه البسيطة ببساطة، نتيجة رغبتي بمعرفة جواب للسؤال التالي: هل ستتقبل دمشق يوماً المثليين؟ فقد لفت نظري أن النساء المحافظات، المحجبات، المؤمنات، في حي المهاجرين – طلعة شورى على علاقة ود وتفاهم وتقدير وحب لصديقي المثلي وسيم، الذي فتح لي آفاقاً في المعرفة لم أعهدها من قبل، وكنت بحاجة إلى أن أفهمها، فقد شعرت بأنني مضطر لأن أفهمها.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s