عملاء قصر بكنغهام في دمشق (الجزء الأول)

IMG-3543

كنت قد أشرت إلى هذه الحادثة بشكل عابر في أكثر من مكان، أتوقف عندها الآن لأكتب عنها بالتفصيل، لما بها من مواقف ذات دلالة على مواقف السلطة في سوريا من مواضيع متعددة قبل الثورة. بدأت الكتابة وكنت أظن أنني سوف أجمل كل الحادثة في مدونة واحدة، ولكن اتضح لي أنني بحاجة إلى أن أدونها في أكثر من جزء، ربما اثنين أو ثلاثة أجزاء، فيما يلي الجزء الأول منها.

أخبرتني الأستاذة المشرفة بأننا بحاجة إلى موافقة من الأمن السياسي لنكمل البحث الجامعي، كان عنوان البحث: “الشذوذ” الجنسي والتغير الاجتماعي في مدينة دمشق.

لا أذكر أن مصطلح “المثلية” كان مستخدماً، على الأقل لم يكن كذلك في المحيط الأكاديمي  حيث مرادف المثلية هو الشذوذ. ما أعنيه، أننا لم نكن نفكر بالمصطلح وقيمته، فقد استخدمنا حينها ما كان دارجاً، وما كان دارجاً آنذاك هو  مصطلح الشذوذ الجنسي، والشاذين، بالأحرى وأتحدث هنا عن نفسي وما اختبرته من المحيطين بي من باحثين، ومشرفين، وأطباء، ومعالجين نفسيين، ومرشدين اجتماعيين، أن المثليين شواذ. وكي أكون أكثر دقة، لا أذكر أنه حتى في الدائرة الضيقة المهتمة بالدفاع عن الحريات، لا أذكر أنه كان هناك أي نشاط يتعلق بحقوق المثليين، حتى على مستوى تناول القضية للحوار. في أحسن الأحوال يلقى المثليون تعاطفاً معنوياً فنقول على سبيل المثال: “يا حرام شاذ”، أو “الله يعين الشاذين”.

كانت الأستاذة المشرفة قد تقدمت بطلب رسمي إلى وزارة الداخلية للسماح لفريق البحث المكون من الأستاذة المشرفة وأربعة طلاب وطالبات بزيارة بعض المراكز الحكومية كسجن عدرا المركزي.

أما أنا، فقد ذهبت إلى شعبة الأمن السياسي كي أحصل على الموافقة، وكنت واثقاً من الحصول عليها كوني اصطحبت معي “الواسطة” التي كنت أعتقد أنها “ثقيلة”. في الحقيقة، الدخول إلى أي فرع أمن ولو كان بإرادتك هو فعل مخيف، وهو أمر لم أعه قبل ذلك اليوم.

لشعبة الأمن السياسي في حي المزة في دمشق بابان، كان الباب الأمامي ذو درج كبير مفروش بالبساط الأحمر، وهذا كل ما أذكره عنه، فهو لم يكن مميزاً سوى بهذا البساط، وأعتقد أنه في منتصف البهو كان هناك صورة للرئيس، أو الرئيسين (أعني الأب والابن)، في الحقيقة لا أذكر تفاصيل الباب الأمامي على الإطلاق. أما الباب الخلفي، فهو باب الرعب، وهو ما لا ينسى.

يأخذك الباب الخلفي إلى عوالم عدة. عالم “العسكري المجند” المرهق والمسحوق، والذي يتكدس مع رفقائه في غرف ممتدة على جانبي بهو يمتد في كل طابق من طوابق ستة فوق الأرض (على قدر ما تسعفني به الذاكرة)، وهو عالم يجعلك تشعر بالأسف والحزن للوهلة الأولى على هذه الطبقة من العسكريين.  لكن هذا الشعور لا يلبث أن يتلاشى مع أول صوت صراخ تسمعه لمحقق يصرخ ويشتم، وآخر لمعتقل قيد التحقيق يصرخ ويستجدي “مشان الله يا سيدي” هذا الصوت يأخذك إلى عالم آخر، عالم متخيل، حيث يندفع الخيال بك في تلك اللحظة لترى نفسك مكان ذاك الرجل الذي يتوسل الرحمة.

لم أستطع أن أستخدم المصعد، فهو أشبه بالسجن الانفرادي، إذ دخلت وخرجت منه بسرعة في الزيارة الأولى لذلك الفرع.  كانت تنبعث منه رائحة أخشى أن أقول أنها رائحة موت، مصعد يشبه التابوت ويزيد الضوء الخافت فيه ذلك الشعور إلى حد ما. كان استخدام الدرج وسماع الأصوات أخف وطأة على الرئتين من الدخول إلى ذلك المصعد. كانت تلك أيام الحب والسلم، طأطأة الرأس و”منحبك”، لكم أن تتخيلوا كيف كان ذلك الفرع يبدو أيام “الشعب يريد إسقاط النظام”.

في نهاية الطريق المؤدي إلى غرفة رئيس الفرع، تنفرد غرفة إلى اليسار، يجلس فيها مساعد وعسكري مجند فوق سريرين حديدين متقابلين، تتوسطهما طاولة حديدية صدئة، يركن خلفها كرسي جلدي ممزق، وكرسيان أمامها مصنوعان من الخيزران، ودفتر من دفاتر السجلات العسكرية الكبيرة الحجم والمسطرة صفحاته على شكل جداول. تأكد المساعد والذي كان اسمه “سميع” على أن تكون الطاولة ملاصقة لسريره فلا يضطر للنهوض عنه، كان يكفي أن يرفع رأسه ويده ليدون اسمي على ذلك الدفتر، وأحياناً كان يتربع على سريره، ونادراً ما كان يجلس على ذلك الكرسي، وهو إن جلس عليه فإنه “يتربع” أيضاً. كغيرها من غرف أي مجند أو متطوع صغير الرتبة، تجد في الغرفة تلك “السخانة” الوشائعية التي تستخدم لهدفين أولهما التدفئة بغض النظر عن وجود أي وسيلة تدفئة أخرى (كالشوفاج مثلاً) وثانيها لصنع الشاي والقهوة وتسخين الخبز.

مباشرة، وكما نعبر عنه في العربية الدارجة في “صدر” البهو باب كبير بدرفتين، ما إن تفتحه، حتى ينبعث منه النور، على يمين الباب غرفة تطل على حي المزة بنافذة كبيرة يدخل منها ضوء كثيف، هناك تجلس بانتظار أن يفتح السيد بابه لاستقبالك، يمكنك أيضاً أن تتناول الشاي، أو اليانسون، أو البابونج، وأن تدخن كما يحلو لك، حتى أنه يمكنك أن تضع “رجلاً على رجل”.

دخلت إلى مكتب رئيس الفرع، وكان حينها برتبة عقيد. مكتب كبير جداً، تم وضع الفرش فيه ليبدو وكأنه مقسوم إلى قسمن. قسم تشعر بأنه “غرفة الضيوف” حيث يجلس على أريكة كبيرة، يقابله التلفاز، وأذكر أنه في المرة الأولى لي في مكتبه كان يشاهد قناة العربية، وتحديداً برنامجاً وثائقياً حول أسامة بن لادن. أما القسم الآخر فهو قسم بطاولة حديدية، هو ذلك القسم الذي يشبه مكتب المساعد سميع.

بدأ السيد العقيد الحديث عن الرأسمالية والامبريالية العالمية التي تقودها الولايات المتحدة الأمريكية، واستفاض بالحديث عن زيف ديمقراطية الغرب وتحديداً أمريكا التي قامت على جماجم الهنود الحمر.

وأخيراً سألني بعدها ماذا أريد، فأخرجت من حقيبتي ورقة من عميد كلية الآداب الدكتور سمير حسن حينها، بالسماح لي بالقيام ببحث ميداني حول “الشذوذ الجنسي والتغير الاجتماعي في مدينة دمشق”

ثم قال: “واحد عم يأجر طيزه، إنت شو دحشك فيه؟”

كان السؤال صادماً غير متوقع، وقد غير ديناميكية الحديث وطبيعته، ولم أعد أشعر بوجود الواسطة معي، فقد تلاشت تماماً وتحول الحديث إلى ما يشبه التحقيق.

سألني إن كنت أتقاضى تمويلاً من فرديم هاوس (Freedom House). في الحقيقة في تلك الفترة لم أكن على اطلاع على فريدم هاوس، ولم أسمع بها قبل ذلك التاريخ، وظن أني أهزأ به، ثم تابع شارحاً بأن باحثاً سورياً “آخر” موقوف لديه لأنه يقوم بعمل بحث مشابه لحساب جهة أجنبية. أربكتني كلمة “آخر” وشعرت حينها أنني دخلت فيما تبين لاحقاً على أنه “ورطة”.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s