الكباب كمعيار للفوارق الطبقية

دوار البطيخة
دوار البطيخة / دوار القاعة

أفكر كثيراً وأحاول أن أصنفنا كعائلة اقتصادياً وطبقياً، وكلما ضاقت بي السبل واستحال التفكير إلى طريق مسدود أعود إلى معيار “الكباب” لأمارس التصنيف الطبقي، وإن كان هذا المعيار ضبابياً أحياناً بسبب استخدامه من قبل اليساريين الثوريين (اليسار الراديكالي) بسبب اقتران حالة المشاوي مع كأس العرق، وبالتالي فإن هذا المعيار تشوبه بعض العيوب ويتعرض للانحراف المعياري بشكل كبير عندما يتداخل مع التحليل المرتبط بنادي الصحفيين أو مطعم الريس.

لا أذكر في طفولتي ما بين الأعوام ١٩٨٣ وهو العام الذي بدأت ذاكرتي بالتخزين، وبين العام ١٩٨٧ وهو العام الذي أعتقد أن شكل المخيم بدأ فيه بالتغير البطيء التدريجي، لا أذكر من مطاعم الكباب المشوي علي الفحم سوى مطعم جارنا أبو ماجد، أعتقد أن اسم الملحمة/ المطعم هو ملحمة ومطعم الجمال وكانت تقع في منتصف الشارع الرئيسي لمخيم اليرموك، بالإضافة إلى ملحمة أبو حشيش الفاخرة، والتي أطلق على الساحة المتواجدة فيها الملحمة اسم ساحة أبو حشيش، وكان اسم الساحة يتغير مرتين في كل عام ليطلق عليها اسم “ساحة العيد” أيام عيدي الفطر والأضحى، حيث كانت المراجيح  تنصب في تلك الساحة مصحوبة بنسخ مصغرة عن “الدويخة” و “القليبة”، وأيضاً في كل عام كانت تحصل حادثة مؤلمة على الأقل نتيجة التكنيك (أي التقنية) التي كان يستخدمها أصحاب المراجيح في عملية “هز” المرجوحة والتي كانت تحتم وقوف شخصين على الأقل على جانبي المرجوحة يتعلق كل منهما على التوالي بطرف الأرجوحة ليلقي بثقل وزنه عليها فترتفع المرجوحة إلى أقصى درجة ممكنة، حيث لا ضمانات لعملية الهبوط بعد الصعود، إذ تحدث حالات ارتطام لا مجال لذكرها هنا. هذه الساحة – الحالة كانت تسمى ساحة العيد.

ساحة أبو حشيش
ساحة أبو حشيش/ يوم العيد/ ساحة العيد

بكل الأحوال، كلا الملحمتين كانتا قد بدأتا أوائل الستينات بعيد إنشاء مخيم اليرموك (منتصف الخمسينات)  بحسب ما أسعفتني به ذاكرة أبي ، ويذكر أن أبو ماجد قد ورث الملحمة عن والده الحج أبو محمد، وأن ملحمة أبو حشيش لم تكن في مكانها الذي تم تدميره في حرب المخيمات في سوريا ٢٠١٨، بل كانت تحتل محل الألبسة الذي كان يطلق عليه ألف ليلة وليلة قبيل نكبة اليرموك.

على كل، بالنسبة لنا كعائلة متوسطة الدخل، ذات رتبة عسكرية، كان الكباب مرتبطاً ارتباطاً عضوياً بنادي الضباط القديم، وبيرة بردى أو الشرق، وكان أبي وأصدقاؤه يفضلون بيرة بردى. الكباب في نادي الضباط كان يعفينا من الحرج الاجتماعي.

فبحسب ملاحظاتي، لم يكن الوصول إلى اللحمة (وهو المصطلح الذي يطلق عليه في عالم المنظمات الغير حكومية ال أكسس Access ) لم يكن في متناول كافة طبقات الشعب، فقد كان المخيم ومدارس الأونروا لفترة طويلة – كنت قد عايشت جزءاً منها – تقدم الحليب والبيض للطلاب بسبب ضعف الأسر في المخيم للوصول إلى وجبات الطعام، إذ كانت النسبة الأكبر تعيش على الفلافل والفول والمسبحة، لاحقاً تم استحداث مثل شعبي، أو مقولة شعبية تربط ما بين الحالة الاجتماعية واللحمة فاعتدنا القول أو الاستماع لمن يقول مثلاً: “الطبخة تبعهم يا حرام ما فيها لحمة” أو مثلاً “يا دوب يوكلوا وقية لحمة مرة بالشهر”

كانت ملحمة أبو ماجد صغيرة مقارنة مع ملحمة أبو حشيش، وكان الوقوف بانتظار الطلب يتطلب منك أن تنتظر على الشارع الرئيسي للمخيم حيث المارة كثر ويلقي عليك السلام الكثير من الجيران مع نظرة حقد طبقي تصحبها جملة: “شو حبيب كباب ما كباب.. أيامه” وبالتالي عليك أن تضع الكباب في كيس أسود رداً لعيون الحاسدين، ولكن الرائحة كانت قوية جداً بحيث كانت قادرة على استجلاب أنوف المارة الذين تمر قربهم في طريق العودة إلى المنزل، بعكس ملحمة أبو حشيش، حيث لم يكن الانتظار على هذه الشاكلة هناك، فقد كانت أوسع حجماً، يجاورها مقهى كبير من الممكن استخدامه للاختباء والتمويه.

أعتقد أن آل العائدي قد أحدثوا لاحقاً توازناً إلى حد ما في عالم اللحوم في مخيم اليرموك فقد كانت تكلفة لحم العجل أقل من لحم الخروف  وبالتالي فإن آل العائدي الكرام قد ساهموا بشكل كبير في تعديل المزاج البرجوازي في مخيم اليرموك فيما يخص تناول، تداول وشواء اللحوم (ساعدهم في ذلك امتلاك وسائل الإنتاج، فقد امتلك آل العائدي مزرعة عجول على طريق حجيرة على ما أذكر)، بعكس آل أبو حشيش الكرام أيضاً الذين حاولوا الحفاظ على التقليد البرجوازي للحوم تداولاً وتناولاً، بل أكثر من ذلك فقد قاموا بافتتاح قهوة “أبو حشيش” في محاولة لتكريس البرجوازية في مواجهة البرجوازية الصغيرة التي اقترحها آل العائدي  وخاصة بعد أن بدأ آل العائدي بالتحول إلى برجوازية منافسة نتيجة إعمار بناء ضخم يحمل اسم العائدي، والذي أيضاً سمح بإدخال “حلويات نفيسة” إلى المخيم في محاولة لمنافسة حلويات وكنافة “النابلسي” ،  أعتقد أن تلك المحاولة باءت بالفشل، إذ بقيت كنافة النابلسي هي المفضلة لدى البروليتارية الكادحة، وكان عليك أن تنتظر بالدور، واستمر هذا الحال حتى خروجي من مخيم اليرموك في العام “٢٠١١” حيث كان ثمن نص كيلو الكنافة النابلسية الناعمة لدى النابلسي لا يزال ثمانون ليرة سورية (٨٠ لس) بينما كان يتجاوز ثمن نص الكيلو عند نفيسة ال ١١٠ ليرات سورية على ما أذكر. جدير بالذكر أن الحرب في العراق والإطاحة بصدام حسين والنظام البعثي  في العام ٢٠٠٣، قد أحدث تغيراً جذرياً في سوق الكباب والشاورما في مخيم اليرموك إثر دخول الكص العراقي،  إلا أن الكنافة و المطبخ العراقي مبحث آخر قد نتداوله لاحقاً.

بعد الحرب، وانتقال جموع اللاجئين من مخيم اليرموك إلى أوروبا، ووصول عدد محدود جداً لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة إلى بلاد العم سام (وأنا منهم) لم يعد الكباب يصلح كمؤشر عن الطبقة الاجتماعية، إذ أن قدرة الوصول إلى اللحوم في الغرب مرتفعة بسبب وجود خيارات متعددة بمستويات جودة مختلفة، وهو ما أتاح أن يتحول شوي الكباب إلى حالة انتقام من الفوارق الطبقية التي فرضتها الأنظمة العربية على أسعار اللحوم بحجة الصراع العربي الإسرائيلي، تم التعبير عنه بغضب شديد في فيلم “الإرهاب والكباب” الذي تم عرضه في العام ١٩٩٢ وتحدث بالتفصيل عن الصراع الطبقي وثورة الجياع التي قد تضرب العالم العربي، وأطلق حينها الفنان عادل إمام شعار “الكباب الكباب يا نخلي عيشتكو هباب” بينما أطلقت الحكومة على الحركة الاحتجاجية صفة “الإرهاب”

أظن أننا كنا من الطبقة الوسطى القادرة على تناول الكباب من ملحمة أبو ماجد حتى نهاية الثمانينات، ولا شك أن الكباب كان ذو شأن عظيم لدرجة أن عمي عدنان رحمه الله، الذي عاش حياته مغترباً في الكويت منذ العام ١٩٧٩ تقريباً، وزار سوريا مرة واحدة بعيد حرب الخليج الأولى، عندما زار مخيم اليرموك، واحتفالاً بقدومه، قام بشراء خمسة كيلو كباب للعائلة الممتدة التي كانت تقطن في بناء واحد من ثلاث طبقات، إلا أنني لا أذكر كيف تم توزيعها، ولكنني أذكر بعد ٣٠ عاماً من شراء الكباب أنه تم شراؤه في ذلك اليوم.

لا يصلح الكباب للتقييم الطبقي للتجمعات العربية بما فيها السورية ومن في حكمها في أوروبا وأمريكا، ولكنه لا يزال يصلح وربما بدرجة أكبر للتقييم الطبقي والمعيشي وللقدرة الشرائية في سوريا، كل سوريا، المؤيدة والمعارضة.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s