أبوي وضو البلدية

d8a7d994d8a8d988d98a

 

 

 

 

 

 

 

 

حلمت ليلة أمس بمعسكر التدريب الجامعي في صحراء الضمير في ريف دمشق، وكنت قد عزمت على الكتابة عنه، ولما بدأت الكتابة حول ذلك المعسكر، بدأت الذكريات تتدحرج، تتداخل، وبحكم أن أبي كان ضابطاً عصامياً، وقد خدم لفترة طويلة في التدريب الجامعي، فقد شعرت بأن القصة ستكون ناقصة إن لم أخبر عنه أولاً، فبدأت الكتابة عنه، لينتهي بي المطاف بالكتابة عن ضوء البلدية.

 

مجهول الشهر:

أبي من مواليد مدينة الناصرة في فلسطين، ولد في العام ١٩٤٧، إلا أنه لا يعلم في أي شهر ولد، حتى جدتي وجدي رحهما الله لم يكونا علي علم في أي شهر كان والدي قد ولد، إلا أن جدتي تخمن أن عمره كان لربما عشرة أشهر أو أحد عشر شهراً عندما خرجوا من فلسطين.  أشعر بأنني محظوظ أنني أعلم في أي عام كان والدي قد ولد. إذ أن شقيقيه الأكبر عمراً  كانا قد ولدا في فلسطين، ولكن لا أحد يعلم في أي عام، فتداخلت التكهنات ما بين طبيب أو ممرض الأونروا الذي كان ينظر إلى أسنان الطفل لتخمين عمره، وبين تقديرات جدتي وتخميناتها وما أسعفتها ذاكرتها.  فقد كان طبيب الأنروا يجلس خلف مكتب في العراء، ويقف قبالته طابور من اللاجئين وأبنائهم من أجل تسجيل الأسماء والأعمار في سبيل الحصول على خدمات الإغاثة، التعليم، و التشغيل لسعيدي الحظ.

بكل الأحوال،  ولد أبي هناك في فلسطين في الناصرة، إلا أن معرفته عنها هي تماماً كمعرفتي بها، وإن كان قد حاول العودة إلى هناك عندما كان في الخامسة عشر عاماً من عمره. فقد تسلل في ليلة ليلاء إلى الأردن مع صديق طفولته فتحي عرابي أبو ياسر، لكنهما اعتقلا من قبل المخابرات الأردنية بعيد دخولهم الأردن وسجنا لمدة شهر كاملً ثم أعيدا إلى سورية. عندما كان يحدثني أبي عن محاولته تلك، لم يكن في الحقيقة يحدثني عن ظروف اعتقاله في الأردن، من تعذيب وسواه، بل كان يتحدث بمرارة أنه حين أعيد إلى سوريا، اكتشف أن جدتي وجدي لم يلاحظا غيابه طيلة شهر مضى. يعتقد أبي جازماً أن ذلك لا يعود إلى “قلة حب واهتمام” بل يعود إلى حالة الاكتظاظ و الازدحام في الغرفة الوحيدة التي آوتهم حينها.

ككل أبناء جيله من فلسطينيي سوريا ترعرع أبي لاجئاً، تنقل ما بين حوران وتحديداً طفس، إلى دمشق، وفي دمشق تنقل مع العائلة الممتدة بين عدة أحياء إلى أن استقر بهم المقام في مخيم اليرموك.

ضوء البلدية:

يحلو لذلك الجيل الحديث بكثافة وفي كل مناسبة عن عذابات اللجوء، الفقر، التعليم، وقصة “الكفاح” التي خاضها جيلهم بعد النكبة، ويحلوا لهم أكثر من ذلك الحديث عن “ضو البلدية” .

فقد كان جيل أبي بحسب زعمهم، يدرسون في البساتين نهاراً، ويبحثون عن ضوء بلدية يعمل أو كما يقول والدي “ضو شغال” كي يدرسوا ليلاً. حتى أبناء ذلك الجيل من الأغنياء أو من اغتنوا، كانوا يصرون على التأكيد على فقرهم وتعبهم وشقائهم حتى وصلوا “إلى ما هم عليه”.

أذكر أن طبيباً مخبرياً من آل عودة كان صديقاً لوالدي، ولبعض آل عودة قصة طريفة معروفة لدى القاصي والداني من أهالي المخيم بل ولربما بين الفلسطينيين عموماً.

فقد تم تعيين أبو منير عودة موظفاً مراقباً لأملاك اليهود في مدينة دمشق، في حارة اليهود في حي الأمين قرب مدرسة الأليانس، ويقال أنه وبينما كان يتفقد أحد المنازل التي غادرها اليهود الدمشقيون في منتصف الخمسينيات بعيد النكبة، وجد “تنكة” وربما جرة مليئة بالذهب، أخذها واغتنى، وأصبح أحد ملاك “الكازيات” في مدينة دمشق، وأحد أكابر الفلسطينيين عموماً، بكل الأحوال، معرفتي به كانت من خلال معرفة اثنين من أولاده، سمير أحدهم، والثاني هو ذاك الطبيب الذي كنت أجري تحاليلي الطبية في عيادته القائمة في مخيم فلسطين جانب معمل البسكوت. كان الدكتور منير عودة كلما ذهبت لإجراء تحليل الدم، و الذي لا يحتاج لأكثر من خمس إلى عشر دقائق من الوقت، كان يمضي معي أكثر من نصف ساعة ليخبرني هذه القصة، كان يقول:

  • إيه يا عمي، الله يرحم هديك الأيام

ثم يتأمل بالحائط، أو كما كان يقال في الروايات الروسية ترجمة دار داروغا “نظر إلى اللاشيء”، ثم يتابع:

  • كنا عمي نطلع من البيت بس تطلع الشمس، نمشي من المخيم على الكواكبي، ونرجع مشي، وبعدين لما تكون الدنيا بعدها ضو، نروح ندرس بالبساتين تحت ضو الله، والمسا ندور على ضو بلدية شغال نروح ندرس تحته”

ومدرسة الكواكبي هي مدرسة في حي الميدان الدمشقي تبعد لربما أربع كيلومترات تقريباً عن مدخل مخيم اليرموك، يقسم الدكتور منير ثم يتابع:

– أقسم بالله يا عمي، إنه كنا نشتري الشحاطة البلاستيك ونحطها تحت باطنا من خوفنا إنها تخرب، ظلينا هيك لبعدين الله فرجها على أبوي.

 ثم ينظر إلي نظرة العارف بأنه “خبص” أو بالحد الأدنى أنه يريد أن يختبر معرفتي، فيسألني باحتيال:

  • بتعرف قصة أبوي وجرة الذهب ما؟

كان جوابي في كل مرة أنني لا أعرف القصة، فقد خمنت ( ولا أعلم حتى اليوم إن كان تخميني في محله) بأن قول لا هو أسهل من خوض نقاش مرير حول فقره، وكنت دائماً بحاجة إلى أن أسمع تأكيدات منه بأن هذه القصة -أي قصة الذهب- هي قصة حقيقية وليست شائعات.

ذهب بفتح الذال والهاء الباء:

قال لي والدي بعد “تحرير” مخيم اليرموك:

“والله يا بابا دورت على فرن حمدان، ما لقيته، سألت العالم دلوني، شفت كوام ردم، قلت لحالي أدور علي إشي أتعكز عليه، كمشت حديدة وصرت أطلع ردم وأنزل عن الثاني. وأنا ماشي شفت جارنا الحلاق، سألني عنك وعن أخوك، سألته إذا بيعرف كيف بوصل علي بيتنا، صفن شي دقيقتين، ضيع الموضوع، بعدين قلي: عمي أبو نضال، شايف هداك الردم، وأشر بإيده، قلتله إيه، قلي هداك بيتكم. أربع طوابق يا بابا على الأرض، شقى العمر راح. بس وحياتك، وقفت حطيت إيدي علي خصري، وضحكتك ، ضحكت،  ضحكت وضحكت،  وقلت لطيزي، المهم الولاد بخير، ودرت ضهري ومشيت وأنا عارف إنه بعمري مش رح أرجع”

رأيت صور الدمار التي لحقت بمنزلنا، أخبرني أبي عن ذلك الدمار، حزنت على ٧٠ عاماً قضاها أبي يبني لي غرفة في منزل، فلا أضطر يوماً أن أبحِث عن ضوء البلدية لأدرس تحته. وحزنت أنه رأى تعبه وسني عمره منهارة بأم عينه، وحزنت أن أصدقاء له وقفوا أطفالاً في طابور طبيب الأونروا، وبحثوا مع أبي عن “ضو بلدية شغال” قد قضوا قنصاً في شوارع المخيم، كل هذا أصابني بالحزن الذي أصابه. شيء واحد فقط جعلني أشعر بالعجز، هو بحث أبي عن شيء يتعكز عليه، فما كنت هناك، بل تعكز على قطعة حديد من ركام ما تبقى له من سبعين عاماً من اللجوء.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s