الإم بتلم والكنة شرنة: في التحول من الخطط الخمسية إلى خطط الخمسة بالمية

في تلك الفترة من عقد الثمانينات من القرن العشرين، كانت سوريا قد استنزفت قواها في حربها ضد منظمة التحرير، ودخل الجيش السوري في معارك مع كل لبنان واللبنانيين على عدة مراحل، واشتبك مع الإسرائيليين في مرات معدودة أدت إلى خسارة سلاح الجو السوري لمعظم طائراته، إلى أن جاء المنقذ أندروبوف ليقول لحافظ الأسد: “ماذا تريد لتعيد التوازن إلى الشرق الأوسط” فأجابه الأسد: “طيارات” فقال أندروبوف: “بطيارين أم بدون طيارين” وضحك الاثنان معاً، وأعاد أندروبوف بناء الجيش السوري الذي لا يقهر.
وفي نفس الوقت، كانت دمشق قد خرجت للتو من غزوة حماة، بعد أن سوى الجيش السوري البطل المدينة  بالأرض، وارتكب فيها من المجازر ما زال يتكهن به المؤرخون حتى اليوم. وأيضاً كان النظام البعثي يقود إحدى حملاته ضد الشيوعيين ورابطة العمل، وفي تلك الفترة كانت قد بدأت عمليات التحول في الاقتصاد السوري، وبدء انهيار الليرة السورية، وخلو الخزينة في سوريا من العملة الصعبة، إذ بدأ الشعب السوري يقف على “الدور” من أجل الخبز، والليمون، والمحارم، وخلت الأسواق من الموز الذي تكفل الجيش السوري البطل فيما بعد بجلبه من لبنان “تهريب”.
وأيضاً، “فترت” العلاقة بين حافظ الأسد والملك فهد بن عبد العزيز، حيث جرت شائعات في أوائل الثمانينات بأن السعودية قد أقامت معسكرات تدريب للإخوان المسلمين في كل من العراق والأردن، ثم تصالح بعد ذلك الفهد والأسد وتعانقا، ويقال أن الملك فهد أرسل للأسد هدية تتضمن إحداثيات مواقع تدريب الإخوان المسلمين في الأردن، ويقال أن الطيران السوري دخل الأجواء الأردنية بترحيب إسرائيلي / أردني لقصف مواقع الإخوان المسلمين.
في هذه الأجواء، أحضر حافظ الأسد أمه ناعسة من القرداحة إلى دمشق على متن طائرة، وضعها في سيارة وانطلقا للقاء شقيقه رفعت في منطقة  كفرسوسة، هناك، بقيت أمهما في السيارة، بينما ترجل حافظ الأسد ومشى باتجاه شقيقه، نظر إلى الدبابات التي نشرها رفعت وعاتبه حافظ على ذلك، صاحت ناعسة لرفعت الذي حنى رأسه ناظراً إلى أمه من نافذة السيارة حيث طلبت منه أن ينصاع لما يقوله شقيقه الأكبر حافظ.

أرسل الأسد الأب شقيقه رفعت إلى موسكو على رأس وفد ليشارك في مؤتمر، خرج بعده رفعت متوجهاً إلى باريس وقد سبقه إلى هناك كل ما تبقى في خزينة الدولة من أموال، ومن أموال إضافية قيل أن القذافي أقرضها لحافظ الأسد كي لا يصير “الدم مي بين الأخوة”، ونجحت ناعسة في لم الأبناء، وعدم شق البيت الواحد، ودفع ضريبة هذا الصراع السوريون عموماً، وآلاف العلويين السوريين الذين ظل “مغضوباً” عليهم لأنهم من جماعة “رفعت” وهي مقولة يعرفها سكان المزة ٨٦ خزان تمام المعرفة.

على خطا والده، بدأ الرئيس الشاب عهده بإطلاق شعار “التطوير والتحديث” والذي افتتحه بالانفتاح الاقتصادي على تركيا، الأمر الذي ساهم إلى حد كبير في تحطيم الطبقة الوسطى، صغار الكسبة، العمال والكادحين.
انفتح الأسد اقتصادياً عبر الأسرة الحاكمة، وظهر مصطلح “رامي مخلوف” ليعبر تماماً عن طبيعة التحول الاقتصادي  في سوريا، بكونه اقتصاد أسرة حاكمة متحالف مع البرجوازية السنية الصغيرة، المتوسطة والكبيرة في المدن، على حساب الريف المتصحر والطبقة الوسطى التي بدأت تنهار.

تطور هذا الاقتصاد العائلي الممتد ليصبح نموذج “سوريا الاقتصادي” ويبلور سوريا ما بعد الحديثة والنمط السوسيو – اقتصادي الذي أراده بشار للبلاد، حيث بدأ الاستثمار الخارجي بدخول البلاد وعرف عن خطة رامي الاقتصادية بأنها خطة الخمسة بالمية، وهي عبارة عن نصيبه الذي يمثل نصيب العائلة الحاكمة من أي مشروع استثماري في سوريا، وبدأ الحديث عن القفزة الاقتصادية بالخصخصة، والتعاون والتكامل ما بين القطاع الخاص والقطاع العام، لولا أن بدأت الثورة وأحثت قطيعة أبستيمولوجية في هذه الأنطولوجيا.
في الوقت ذاته، مارس بشار الأسد هواية أبيه والزعماء العرب في دعم القضية الفلسطينية، حيث أتى بكل من خالد مشعل ومعه حماس، ورمضان شلح ومعه الجهاد، ليقيما ضيفين شخصيين له في دمشق، كما قاوم إسرائيل بدفع حزب الله إلى حرب العام ٢٠٠٦ التي يعاني اللبنانيون نتائجها حتى اليوم، بينما استطاع الرئيس الشاب أن ينحت مصطلح أنصاف الرجال، ويضعه في خطاب تاريخي.

في هذه الأثناء، كانت أسماء تبحث عن قصة الشعر المناسبة لسيدة سوريا الأولى الجديدة، فقررت أن تحاكي الليدي ديانا في حياتها، على غرار ما فعلنه السيدات الأوائل في دول مجاورة كالأردن، وغير مجاورة كقطر، فشكلت أسماء صورتها ليكون مزيجاً من ديانا المتمثلة في كل من موزة ورانيا، وصممت على دخول المجتمع المدني من أوسع أبوابه، فأسست الأمانة السورية للتنمية لتسيطر على الصورة الخارجية لسوريا في مجال “تصنيع” المجتمع المدني، ولتنافس كل من مازن درويش وياسين الحاج صالح، حيث كان مازن درويش يقود مجموعة كامنة في قبو بناء ضخم في حي المزة فيلات غربية مجاور لمكتبي كل من الجهاد وحماس ومنزل آصف شوكت، بينما كان ياسين الحاج صالح يعقد مؤتمراته وجلساته التوعوية السرية في مقهى شي نو في حي الشهبندر (يوم الثلاثاء أو الأربعاء من كل أسبوع على ما أذكر)
اليوم، وبعد ١٠ سنوات من حرب الأسد على المؤامرة الكونية، دمر الأسد الابن سوريا بأكملها، وخاض حروباً مع القطريين عبر الإيميلات، وبعد فترة “الحرد” بين موزة وأسماء، عاد القطريون يحومون حول وفي دمشق. كما خاض حروباً مع الإماراتيين، ولكن بن زايد “عرف خطأه” وخاف من العقاب الإلهي بعد أن أصابه وباء الكورونا، فأبرق إلى الرئيس الأسد تمنياته للسوريين بالسلامة من الوباء العالمي. ويبدو أن بن سلمان سوف يرسل محبته لبشار مع شرح تفصيلي لكتاب تعلم كيف تحجز على العائلة الحاكمة وأموالها في خمسة أيام، مع دليل تدريبي يحتوي على دورة تدريبية حول أسرع الطرق لتعزيز دور القنصليات في تركيا.
أما بوتين، فقد فاق حبه لسوريا والسوريين حب أندروبوف لهم، لدرجة أن بوتين حول مواطني دول الاتحاد السوفييتي السابق إلى مرتزقة في سبيل وحدة سوريا أرضاً وشعباً.

لا أجد خلافاً في السياقات التاريخية لما جرى مع الأسد الأب في القرن الماضي، وما يجري مع الابن في هذه الأيام، بل في الحقيقة لا أجد خلافاً بين العالم بأسره في الثمانينات، والعالم برمته اليوم في العام ٢٠٢٠، لا فرق بين القرنين سوى أن آل الأسد قد فقدوا الأم الحنون التي تعلم كيف “تلم” أبناءها في حجرها، وبلاهم الله عزو وجل بكنة “شرنة”.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s