ألف وتسعمية وتمان و أربعينات -١

11781645_10206986055322111_191995218811749507_n

ولدت في مخيم اليرموك، في منزل العائلة، إذ كانت الظروف الاقتصادية للاجئين الفلسطينين ما تزال صعبة، وكان عليهم أن يبدؤا حياتهم من الصفر في مخيمات اللجوء، وشراء منزل، لم يكن بالأمر المتاح، فكانت العائلة تبني طوابق فوق بعضها، وقد استغرق أبي ١٣ عاما، ليستطيع بناء شقته الصغيرة فوق شقة والده. وعشق أبي هذا المنزل، واعتاد أن يقول: “غلاوة هالبيت بغلاوة واحد فيكم”

منذ وصولهم إلى سوريا في العام ١٩٤٨، بدأت منذ اللحظة الأولى ترتسم ملامح الحدود ما بين المجتمعين السوري والفلسطيني، ولربما كانت النكتة التي اعتدت سماعها من جداي وجدتاي، برغم بساطتها وبلاهتها هي أصدق توضيح لهذه الحدود والفوارق. فقد اعتادت آذانهم على سماع السوريين يقولون بأن الفلسطينيين هنا، وأن لهم أذناب، وكان البعض منهم يحلف بأنه رآهم و رأى أذنابهم.

لم أفهم هذه النكتة، ولم أجهد نفسي بالبحث عن تفسير لها، كما أنني لا أذكر بأنني يوما سمعت أحد جداي أو جدتاي يفسرونها لي، كان كافيا أن نشعر بها، فحدود الفلسطينيين مرسومة منذ البداية، وكل فلسطيني وعي ذلك أم لم يع، سوف يصطدم بهذه الحقيقة في مرحلة ما من حياته.

قد يظن البعض للوهلة الأولى، بأن الفلسطينيين قد عاشوا متساويين، في الحقيقة هذا ليس صحيحا. لا شك أن المجتمع الفلسطيني قد اهتز تماما يوم النكبة، ولكن في لحظة انهياره نفسها، بدأت ملامح مجتمع آخر تظهر في دول اللجوء.

كانت المرتبات التي تقدمها الأنروا، أعلى بكثير من رواتب المدارس الحكومية، وقد وصل مرتب الموظف في الأنروا في بعض الأحيان، إلى عشر أضعاف مرتب المدرس أو الموظف في المدارس الحكومية، كما أن تعويضات نهاية الخدمة، كانت كفيلة بتغير نمط حياة الموظف في الأنروا، لذلك كان السعي وراء عمل فيها أولوية لدى الفلسطينيين وربما غيرهم أيضا.

في مخيم اليرموك، كانت ملامح تأثيرات الأنروا واضحة جدا، وخاصة مع بداية التسعينات. عندما بدأ مخيم اليرموك يشهد نهضة عمرانية كبيرة، نقلت المخيم نقلة نوعية، إلى أن أصبح أحد أهم الأسواق في مدينة دمشق، وربما في سوريا. من بين المستفيدين من هذه النهضة الاقتصادية والعمرانية، كان موظفو ومدرسو الأنروا.

من بين عشرة مدرسين ممن تلقيت التعليم على أيديهم في المرحلتين الابتدائية والاعدادية، هناك سبعة على الأقل أذكرهم، مما كانوا يمتلكون محال تجارية على الشارع الرئيسي لليرموك. بالنسبة لي، سببت هذه النهضة إرباكا شديداً للعلاقة بيني وبين المدرسين، فالمدرس الذي كنت أتلقى التعليم منه صباحا، هو نفسه الذي أشتري منه ملابسي في المساء، والذي يمتلك محل الخضار، والذي يمتلك المكتبة، ولكن أقساها وأشدها إرباكاً، كانت أن أحد مدرسي، كان يمتلك أول محل أفلام في المخيم، والوحيد، ولم يكن هناك أي طريقة لأقول له أنني أريد فيلما للكبار، ومن حسن الحظ، أن ابنه على قدر ما أذكر، كان طالبا في المدرسة ذاتها، وكان يتولى مهمة تهريب هذه الأفلام.

على أن هذه النهضة العمرانية والتجارية في المخيم، وعلى الرغم مما أنتجته من طبقات اقتصادية جديدة، إلا أنها لم تغير في التركيب الطبقي الاجتماعي للمخيم، وبقي حتى العام ٢٠١١، التمييز الطبقي في المجتمع الفلسطيني، يتركز على ذلك التمييز ما بين سكان المخيم والفلسطينيون خارج المخيم.

بالعودة إلى جدتي، المدرسة الفاضلة إزدهار الحاج عيسى، أعتقد أنها امتلكت شخصية قوية وقيادية منذ صغرها، فقد أنهت تعليمها “العالي” المسمى سرتفيكا في مدينة صفد، ومن ثم تم تعيينها في الناصرة/ صفورية كمدرسة، أقامت في منزل لآل الرشيد حتى حلول النكبة. كانت جدتي معجبة بالانتداب البريطاني، تتحدث عنه بإيجابية دوما وخاصة عن سنوات الانتداب ما قبل ١٩٤٧، كانت تتحدث عن التطور الذي جلبه البريطانيون إلى فلسطين، وخاصة الكهرباء. لكنني أعتقد أنه ما كان يهمها أكثر، هو ما كانت دائما فخورة به بأنه “كنا نلبس تنانير قصيرة، ولا حدا يسترجي يتطلع ولا يتحركش”. بالإضافة لأحاديثها اليومية عن فلسطين والخروج من صفد، كانت تعشق الحديث عن زيارتها لموسكو وبعض دول الاتحاد السوفييتي، عندما ذهبت لزيارتي خالي مأمون الذي كان يدرس الطب هناك. وقلت لها مرات عديدة أنني لا أحب سماع هذه القصة، لأنني لن أسامحها، أنها عادت من موسكو ولم تجلب لي هدية من هناك سوى بضعة أقلام، بينما نالت خالتي التي تكبرني فقط ببضعة سنين حصة الأسد من هذه الرحلة، ومما حصلت عليه، معطف أحمر شتوي جميل جدا، ظللت أسرقه وأرتديه حتى ضاق بي ذرعا.

زوجها، الراحل فوزي النحوي، كان ابن باشا صفد ومحافظ إربد، ولاحقاً في سوريا، شغل مناصبا سياسية في الهيئة العليا لفلسطين مع الحاج أمين الحسيني، وكانت ورقة موقعة منه، من شأنها أن تغير مستقبل العديد، إذ كانت هذه الورقة بمثابة تصريح للسفر إلي السعودية، يوم كانت السعودية تتلقى آلاف الفلسطينيين للعمل فيها.  توفي في العام ١٩٨٢، وتم دفنه في مقبرة “راقية” الدحداح.

أما جدتي لوالدي نعيمة أبو عدس، فقد كانت بسيطة من سيرين قضاء الناصرة، ضئيلة الحجم، تتوشح دائما بوشاح أبيض، يداها مجعدتان منذ وعيتها، لا ترف القراءة ولا الكتابة، وزوجها جدي الراحل أبو عزام، الذي عرفه المخيم ب أبو عزام الساعاتي، الذي امتلك محلا لتصليح الساعات في شارع صفد. كان جدي يعشق الصيد، يذهب راكبا الموتور مع أصدقائه ويختفي لأيام، قبل أن يطل مرة أخرى حاملا معه دزازينا من العصافير، وحيوانات أخرى أحيانا حية وأحيانا ميتة، كالثعالب والضباع، وأذكر أنه مرة قام بتحنيط ثلاث ضباع وعرضها في ساحة العيد في المخيم، أما الثعلب الصغير، فقد عض عمي، وأطلق جدي سراحه في بساتين شارع الثلاثين. ولا أذكر أن جداي لأبي قد غادرا المخيم منذ دخلاه لاجئين، سوى لزيارة أقارب لهم في طفس وتل شهاب.

كان سكان المخيمات طبقة بحد ذاتهم، بغض النظر عن ظروفهم الاقتصادية، وأذكر أن جدتي لأمي ظلت غاضبة من أبي، لأنه لم يف بوعده عندما تقدم لخطبة والدتي، فقد وعد بأن منزله في المخيم هو منزل مؤقت، وأنه ينتظر “دوره” في مشروع الإسكان ليحصل على شقته ويخرج من المخيم. كادت جدتي أن تصاب بسكتة قلبية، عندما اختار أبي منزلا في مخيم فلسطين من منازل الإسكان العسكري، وكان ذلك بمثابة التأكيد لها أنه لن يخرج من المخيم، بل أكثر من ذلك، بنى منزلا جديدا ومحلا تجاريا في شارع ال ١٥، وعندها حصلت التسوية بينه وبين حماته التي أذكرها حتى اليوم، واقفة على باب منزلنا القديم، غاضبة، وتقول له : “روح جيب شاحنة، إنتقلوا على البيت الجديد”.  لم أكن غاضبا، فقد كان شارع ال ١٥ “أبو رمانة المخيم” وسأحصل فيه علي غرفة لي ولأخي، والأهم أنه كان قريبا جدا من منزل “الحبيبة”

لم يغير منزلنا الجديد ولا التطور الهائل في المخيم على نظرة جدتي لوالدتي من المخيم، فكنا دائما “أولاد المخيم” بالنسبة لها، وازدادت هذه النظرة حدة بعد أن انتقلت للعيش في شقة مترفة في مشروع دمر.

عاش أكثر من ١٠٠ ألف فلسطيني خارج المخيمات في دمشق، طبعا تبعا لظروفهم المادية والاقتصادية، وأقل درجة لمرتبتهم الاجتماعية، وكانت هناك لحظات صاعقة لي ابن المخيم عندما أرى فلسطينيا خارج المخيم ولا أقدر على تمييزه. عندما درست في مركز الأنروا للتعليم المهني في دمشق الذي يحلو لنا تسميته ب “في تي سي” اعتدنا على أن نقوم باحتفال اليوم المفتوح، حيث يقوم طلاب قسم الديكور برسم لوحة كبيرة بحجم حائط للقدس والمسجد الأقصى. في ذلك الصباح، دخل أحد الطلاب “من خارج المخيم” ونظر للوحة وقال “شوه الجامع الأموي” ظننت أنه يمزح، ورغم أن والده استشهد في لبنان، إلا أنه لم يستطع التمييز بين المسجد الأموي والمسجد الأقصى، ولم يكن يمازح حينها.

وبعض الفلسطينيين الذين ولدوا وترعرعوا خارج المخيم، وهذه حقيقة، لم يعرفوآ أنهم فلسطينيون إلا حين بلغوا ال ١٨ من عمرهم، وكان عليهم الحصول على الهوية ودفتر الخدمة العسكرية، والتي يكتب عليها فلسطين بالقلم العريض، حينها تحل عليهم لعنة المفاجأة ويبدؤون باستكشاف هويتهم، كما يبدأ البالغ الحديث باستكشاف جسده.

لكثير من السوريين، كان المخيم مكان موجودا في مخيلة افتراضية، ورغم أن بعضهم من الأصدقاء الذين سكنوا حي الميدان الدمشقي المحاذي للمخيم، إلا أنهم كانوا بعتقدون بأنه عبارة عن خيم، ولطالما سألني أصدقائي في ثانوية جودت الهاشمي:” كيف بتعيشوا بخيم؟” كان هذا السؤال هو المفضل لدي، حيث تبدأ مخيلتي بالعمل، لأشرح كيف نعيش في خيمة.

لكثير منهم، كان المخيم مكانا مليئا بالمخدرات، الجرائم، العنف، والشلل، وعندما كنا ندعوهم للزيارة كانت هذه المغامرة الأخطر بالنسبة لهم، تسير مع أحدهم في المخيم وهو ينتظر أن يرى خيمة، إلى أن يدرك أنه في المخيم عندما يصل منزلك، ويرى أن لديك غرفة وسرير ومكتبة ومطبخ حيث تتم صناعة المسخن.

كان الفارق كبيرا ما بين فلسطينيي المخيمات والفلسطينيون خارج المخيمات، ولكن الألم كان مشتركا بينهما. أذكر أنه بين عامي ١٩٨٢-١٩٨٧ كان والداي يذهبان إلى العمل، ويتركاني مع جدتي لأبي، كانت تجلس وتغني بلهجتها الفلاحية أغاني فلسطينية تراثية، إلى أن تسمع قرع الطبول والهتافات قادمة من شارع اليرموك، تشدني من يدي وتركض، فهذا يعني أن شهداء جدد قدموا من لبنان. أقسم أنني كنت أشعر بنبضات قلبها وهي تركض باتجاه الشارع الرئيسي، تسأل عن أسماء الشهداء، لترى إن كان عمي أبو العبد عصام من بينهم، تستنشق هواء المخيم كله عندما تعلم أنه ليس في أحد هذه الأكفان، تسير في الجنازة، تصل إلى شارع المدارس، هناك، تلتقي جدتي لأمي، واقفة عند خزان الكهرباء الأصفر المليء بصور الشهداء، ساندة رأسها بكف يدها كعشرات الأمهات حولها، هي أيضا، تركت صفها في مدرسة المنصورة، وهلعت إلى الشارع، تسأل عن أسماء الشهداء، لترى إن كان خالي المرحوم علي من بين هؤلاء الشهداء، تلتقي بجدتي لأبي في الجنازة، تحملني جدتي لأمي بين ذراعيها، وتقول جدتاي لبعضهما الحمد لله أبناؤنا أحياء في مكان ما، “الله يعين أمهات هالشباب الصغار”. تبكيان، وتعود جدتي لصفها، وأعود مع جدتي لأغنياتها ودموعها.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s